لم تسقط مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران قبل انتهاء مهلة الـ60 يوماً لأن أحد طرفيها استعجل الانقلاب عليها، بل لأنها استنفدت الغاية التي وُلدت من أجلها. ومع انتهاء هذه الهدنة التكتيكية، يدخل الصراع الأمريكي الإيراني مرحلة جديدة من الغموض، ليطرح السؤال الأهم: هل المنطقة على أعتاب مواجهة عسكرية حاسمة، أم أن الأطراف تتجه نحو مسار تفاوضي بشروط مختلفة كلياً؟
بعد 40 يوماً من التصعيد الذي كاد أن يشعل حرباً شاملة، كانت المنطقة بحاجة ماسة إلى هدنة. أسعار الطاقة تجاوزت التوقعات، والأسواق المالية دخلت في مرحلة ارتباك، وتوسعت المخاوف من أن أي مواجهة مباشرة في مضيق هرمز ستهدد الاقتصاد العالمي برمته. في تلك اللحظة، بدا واضحاً أن استمرار الحرب بالوتيرة نفسها سيجعل كلفتها السياسية والاقتصادية أعلى من مكاسبها العسكرية، لذلك جاءت مذكرة التفاهم لتجمّد الصراع، لا لتنهيه.
جذور التوتر: من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغط الأقصى
لفهم السياق الحالي، لا بد من العودة إلى قرار الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2018. هذا القرار لم يكن مجرد تغيير في السياسة، بل كان إيذاناً ببدء استراتيجية “الضغط الأقصى” التي تهدف إلى شل الاقتصاد الإيراني وإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق جديد أكثر شمولاً، يعالج برنامجها الصاروخي وسلوكها الإقليمي. هذه السياسة أدت إلى تصعيد غير مسبوق، حيث ردت إيران بأنشطة مزعزعة للاستقرار في المنطقة، مما وضع الطرفين على حافة المواجهة المباشرة أكثر من مرة.
ملامح المرحلة الجديدة في الصراع الأمريكي الإيراني
تعامل كثيرون مع مذكرة التفاهم على أنها تراجع أمريكي، بل ذهب بعضهم إلى اعتبارها اعترافاً بانتصار إيران وتبدل موازين القوى. وسرعان ما بدا أن هذه القراءة كانت متسرعة. فالرئيس دونالد ترامب، الذي ينظر إلى السياسة بمنطق الصفقات، يدرك أن القوة لا تعني الاستمرار في إطلاق النار، وإنما اختيار اللحظة التي يكون فيها استخدام القوة أكثر تأثيراً وأقل كلفة. خلال فترة التهدئة، هدأت الأسواق، وتراجعت أسعار النفط، واستعادت الإدارة الأمريكية هامش الحركة الذي كانت قد فقدته، بينما انشغل العالم بملفات أخرى. في المقابل، كانت المؤسسات العسكرية تعيد تقييم نتائج الجولة السابقة، وتراجع ما تحقق وما لم يتحقق، وتعيد رسم بنك الأهداف في ضوء الدروس المستخلصة. فالهدنة السياسية كانت في الواقع فترة تحضير للجولة التالية.
تباين الرؤى والهدف المشترك
في المقابل، تعاملت طهران مع الهدوء بطريقة مختلفة. فبدلاً من استثماره لتهدئة دائمة، رفعت نبرة خطابها السياسي بما يوحي بأنها غيرت قواعد اللعبة وأن ميزان القوى بات يميل لمصلحتها. وامتد الأمر إلى رسائل مرتبطة بمضيق هرمز ودورها الإقليمي. ورغم الحديث عن خلافات في وجهات النظر بين الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن التجربة مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة تشير إلى أن الاختلاف في الأسلوب لا يعني بالضرورة اختلافاً في الهدف. ما جرى خلال فترة المذكرة يؤكد هذه الفرضية؛ فالتقارير العسكرية، وحركة القطع البحرية، وإعادة التموضع في أكثر من منطقة، كلها كانت تشير إلى أن مرحلة الإعداد لجولة عسكرية جديدة لم تتوقف، بل انتقلت من العلن إلى ما وراء الكواليس. هذا التحوّل يكشف أن الجولة الحالية تبدو أقرب إلى محاولة استثمار النتائج التي خرجت بها واشنطن بعد المواجهة الأولى، سواء على مستوى المعلومات الاستخباراتية أو طبيعة الدفاعات الإيرانية. فكيف ستُدار المرحلة القادمة بعد أن انتهى دور التهدئة المؤقتة؟


