في تطور دبلوماسي لافت يعيد تشكيل المشهد السياسي في الشرق الأوسط، كشفت مصادر باكستانية مطلعة لصحيفة «عكاظ» عن نجاح إسلام آباد في الحصول على موافقة رسمية من كل من واشنطن وطهران بشأن تمديد وقف إطلاق النار الذي كان مقرراً انتهاؤه غداً. يتزامن هذا التطور الحاسم مع وصول وفود رفيعة المستوى من كلا البلدين إلى العاصمة الباكستانية لتدشين الجولة الثانية من المباحثات التي أُطلق عليها اسم «إسلام آباد 2» يوم الخميس، وذلك وسط مساعٍ دولية وإقليمية مكثفة لتثبيت التهدئة وفتح مسار تفاوضي أوسع يجنب المنطقة ويلات التصعيد العسكري.
أهمية تمديد وقف إطلاق النار وانعكاساته الإقليمية والدولية
تكتسب هذه الخطوة أهمية بالغة على الصعيدين الإقليمي والدولي، حيث يمثل تمديد وقف إطلاق النار فرصة ذهبية لالتقاط الأنفاس في منطقة تعاني من توترات جيوسياسية متراكمة. محلياً وإقليمياً، يسهم هذا التمديد في خفض حالة الاستنفار العسكري التي أثرت سلباً على استقرار الدول المجاورة، ويفتح الباب أمام معالجة الأزمات الاقتصادية المرتبطة بالصراع. أما على الصعيد الدولي، فإن استقرار الملاحة وتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة يعد مصلحة عليا للاقتصاد العالمي، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على ممرات الطاقة الحيوية في الشرق الأوسط.
جذور التوتر: السياق التاريخي للعلاقات الأمريكية الإيرانية
لفهم أبعاد هذه المفاوضات، يجب النظر إلى السياق التاريخي المعقد للعلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي اتسمت بعقود من القطيعة والتوتر منذ أواخر السبعينيات. تصاعدت حدة الخلافات بشكل ملحوظ حول ملفات متعددة أبرزها البرنامج النووي الإيراني، والنفوذ الإقليمي، وأمن الممرات المائية. وقد أدت العقوبات الاقتصادية المتتالية إلى تعميق فجوة الثقة، مما يجعل أي محاولة للجلوس على طاولة الحوار، مثل مبادرة إسلام آباد الحالية، اختراقاً دبلوماسياً نادراً يتطلب ضمانات قوية من وسطاء موثوقين لتجاوز الإرث الثقيل من الخلافات.
«إسلام آباد 2».. قيادات الصف الأول على طاولة الحوار
وبحسب المصادر، يقود الوفد الأمريكي نائب الرئيس جي دي فانس، بعضوية المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. في المقابل، يرأس الوفد الإيراني رئيس مجلس الشورى محمد باقر قليباف، بمشاركة وزير الخارجية عباس عراقجي. تُوصف هذه الجولة بأنها «حاسمة» لإعادة ترتيب أولويات التفاوض ووضع إطار عملي لمعالجة النقاط الخلافية بين الطرفين.
الدور الباكستاني المحوري في هندسة التهدئة
وأفادت المصادر أن وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أجرى اتصالات هاتفية منفصلة ومكثفة مع نظيريه الأمريكي ماركو روبيو والإيراني عباس عراقجي، حثهما خلالها على الموافقة على التهدئة وفق آلية تضمن التوصل إلى تفاهمات تنهي الملفات الخلافية تدريجياً. كما أكدت المصادر أن الفريق أول عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني والمشرف المباشر على ملف الوساطة، لعب دوراً محورياً في إقناع الطرفين بتمديد الهدنة، على أن تُرحّل القضايا الأكثر تعقيداً إلى طاولة «إسلام آباد 2».
شروط متبادلة: رفع الحصار وأمن مضيق هرمز
في المقابل، تمسكت طهران بشرط رئيسي يتمثل في رفع الحصار البحري الأمريكي المفروض على موانئها، معتبرة أن أي تقدم تفاوضي مرهون بخطوات عملية في هذا الملف، مما يعكس استمرار فجوة الثقة بين الطرفين. وتأتي هذه التطورات في ظل تصعيد بحري أربك المشهد، بعد احتجاز واشنطن سفينة شحن إيرانية حاولت كسر الحصار. ورداً على ذلك، رفعت إيران الحظر عن الملاحة في مضيق هرمز قبل أن تعيد إغلاقه مجدداً، وهي خطوة أعادت القلق إلى الأسواق العالمية، خصوصاً أن المضيق الاستراتيجي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمي، مما يجعله شرياناً متقلباً يضغط بقوة على مسار التفاوض.
الرهان على الجولة الثانية لتجنب التصعيد
وبين تمديد مؤقت وضغوط ميدانية متصاعدة، تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى «جسر عبور» نحو اختبار حقيقي في مفاوضات «إسلام آباد 2». ستحدد هذه الجولة مسار التفاوض وما إذا كانت المنطقة تتجه فعلياً إلى تهدئة مستدامة تضمن أمن الملاحة واستقرار الأسواق، أم أنها مجرد استراحة تسبق جولة تصعيد جديدة قد تكون تكلفتها باهظة على الجميع.


