
دخل التصعيد الأمريكي ضد إيران مرحلة غير مسبوقة من التعقيد في اليوم السادس والثلاثين من المواجهات العسكرية المباشرة التي تشارك فيها إسرائيل. تتشابك في هذه المرحلة العمليات العسكرية المكثفة مع الضغوط السياسية والاقتصادية الخانقة. فبعد أكثر من شهر من الغارات المتبادلة، تشهد الساحة الإيرانية، خاصة في الجنوب الغربي والمناطق الحيوية، تصعيداً متسارعاً. يتزامن هذا مع تحذير شديد اللهجة وجهه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لطهران، مانحاً إياها مهلة 48 ساعة «قبل الجحيم»، استكمالاً لمهلة العشرة أيام السابقة.
الجذور التاريخية للتوترات وتراكم الأزمات
لم يكن هذا الصدام العسكري وليد اللحظة، بل هو تتويج لعقود من التوترات الجيوسياسية بين واشنطن وطهران. تعود جذور الأزمة العميقة إلى الخلافات المستمرة حول البرنامج النووي الإيراني، والانسحاب الأمريكي السابق من الاتفاق النووي، وما تلاه من فرض سياسة «الضغوط القصوى». لطالما شكلت طموحات إيران الإقليمية وتطويرها لترسانة متقدمة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة مصدر قلق استراتيجي رئيسي للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. هذا التراكم التاريخي لانعدام الثقة والمناوشات غير المباشرة في ساحات الشرق الأوسط المختلفة، مهد الطريق لانفجار الوضع الحالي، حيث تحولت حروب الوكالة إلى مواجهة عسكرية مباشرة تهدد بتغيير خريطة التحالفات والنفوذ في الشرق الأوسط.
خسائر ميدانية واشتباكات جوية معقدة
شهدت الساحة الميدانية تطورات بالغة الحساسية، حيث أعلنت مصادر عن إسقاط مقاتلتين أمريكيتين وإصابة مروحتين خلال عمليات بحث وإنقاذ معقدة. تمكنت القوات الأمريكية من العثور على أحد طياري مقاتلة «إف-15»، بينما لا يزال البحث مستمراً عن الطيار الآخر. وأكدت التقارير أن مقاتلة من طراز «إف-15 إي» ذات المقعدين أُسقطت بنيران إيرانية، في حين تحطمت طائرة هجومية من طراز «إيه-10 وورثوج» في الكويت بعد إصابتها، وتمكن طيارها من النجاة. ورغم إصابة مروحيتي «بلاك هوك»، إلا أنهما تمكنتا من الخروج من المجال الجوي الإيراني بسلام. في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني تمشيط جنوب غرب البلاد للبحث عن الطيار المفقود، وعرض الحاكم الإقليمي مكافأة لمن يقبض على أفراد الطاقم المعادي، مما يعكس تصاعد الاحتكاك المباشر.
استهداف المنشآت الحيوية واتساع رقعة الصراع
واصلت القوات الأمريكية والإسرائيلية ضرباتها قرب محطة بوشهر النووية، والتي أسفرت عن مقتل أحد عناصر الحماية دون تأثير على المنشآت الحيوية. وسجلت التقارير الإيرانية 106 هجمات خلال 24 ساعة على 18 محافظة، شملت ضربات على مجمع البتروكيماويات في ماهشهر، مما ألحق أضراراً بالشركات الصناعية. وفي البحر، استهدف الحرس الثوري ناقلة إسرائيلية بطائرة مسيرة رداً على الضربات.
لم تعد الحرب محصورة داخل إيران، بل امتدت لدول الخليج. أعلنت البحرين اعتراض طائرة مسيرة إيرانية، مما أدى لإصابة أربعة مواطنين وتضرر منازل في سترة. وكشفت المنامة اعتراضها 188 صاروخاً و445 مسيرة منذ بدء الهجمات. وفي الإمارات، تم اعتراض 19 صاروخاً باليستياً و26 مسيرة، بينما استهدفت طائرات الحرس الثوري قاعدة أحمد الجابر الجوية في الكويت.
التداعيات الإقليمية والدولية في ظل التصعيد الأمريكي ضد إيران
يحمل هذا الصراع أبعاداً تتجاوز الحدود الجغرافية للدول المتحاربة، ليفرض واقعاً جديداً على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي. على المستوى الإقليمي، يضع الصراع دول الخليج العربي في موقف بالغ الدقة، حيث تتزايد التهديدات لأمن الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط الخام. دولياً، أثار الصراع مخاوف جدية بشأن أمن الطاقة العالمي. وقد أكدت الهند أن مصافيها أمنت احتياجاتها النفطية مؤقتاً، بينما شددت رئيسة وزراء إيطاليا جيورجيا ميلوني خلال زيارتها لقطر والسعودية والإمارات على أهمية التعاون الدولي لحماية البنية التحتية للطاقة وضمان تدفق الإمدادات عبر فتح مضيق هرمز، محذرة من أزمة اقتصادية عالمية محتملة.
انقسام إيراني حاد وتعثر الجهود الدبلوماسية
تصاعد الانقسام السياسي داخل إيران بين تيار يراهن على استمرار الحرب كدليل على القوة، وآخر يناشد إنهائها بشروط تحفظ ماء الوجه. نشر وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف مقالاً دعا فيه لاستثمار التفوق العسكري لإعلان النصر ثم التفاوض، وهو ما قوبل باتهامات بالاستسلام. كما دعا الرئيس الأسبق حسن روحاني لإصلاحات سياسية واقتصادية عاجلة كشرط للصمود المستدام.
دبلوماسياً، وصلت الوساطة الباكستانية لطريق مسدود. ورغم تأكيد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الاستعداد للتفاوض، إلا أنه اشترط وقفاً نهائياً للحرب. في المقابل، ألمح الجانب الأمريكي لإمكانية إنهاء الحرب جزئياً مع التهديد بتوسيع بنك الأهداف ليشمل الجسور ومحطات الكهرباء. إقليمياً، ناقش الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع أمين عام «ناتو» مارك روته خطورة الوضع، محذراً من «طريق مسدود جيواستراتيجي» وداعياً لتكثيف الجهود الدولية لاحتواء الأزمة.
حصيلة مشهد اليوم الـ36:
- إسقاط مقاتلتين أمريكيتين والبحث عن طيار مفقود داخل إيران.
- 106 هجمات على 18 محافظة إيرانية.
- ضربات قرب محطة بوشهر النووية دون أضرار بالمنشأة.
- استهداف ناقلة إسرائيلية بمسيرة إيرانية.
- البحرين تعترض مسيرة وإصابة 4 مواطنين.
- الإمارات تعترض 19 صاروخاً باليستياً و26 مسيرة.
- تعثر الوساطة الباكستانية وانقسام داخلي إيراني حاد.


