أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تغييرات جذرية جديدة تتعلق بإجراءات الإقامة الدائمة، حيث قررت واشنطن إنهاء سياسة الجرين كارد التي ظلت معمولاً بها لأكثر من 60 عاماً دون تغييرات جوهرية. تقضي هذه التعديلات بإلزام العديد من المتقدمين المتواجدين حالياً داخل الولايات المتحدة بمغادرة البلاد واستكمال طلباتهم عبر القنصليات والسفارات الأمريكية في الخارج. وأوضحت هيئة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية، في مذكرة سياسية حديثة، أن موظفيها سيقومون بدراسة كل حالة على حدة لتحديد ما إذا كانت تستحق استثناءات خاصة تسمح باستكمال الإجراءات من داخل الأراضي الأمريكية.
السياق التاريخي لتطور سياسة الجرين كارد في أمريكا
لفهم حجم هذا التحول، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية لقوانين الهجرة الأمريكية. منذ منتصف القرن العشرين، وتحديداً مع التعديلات التي طرأت على قانون الهجرة والجنسية الأمريكي، أتاحت الحكومة الفيدرالية آلية تُعرف بـ “تعديل الوضع القانوني” (Adjustment of Status). هذه الآلية كانت تمثل حجر الزاوية في سياسة الجرين كارد، حيث سمحت لملايين المهاجرين الذين دخلوا البلاد بتأشيرات قانونية بتغيير صفتهم إلى مقيمين دائمين دون الحاجة للعودة إلى بلدانهم الأصلية. كان الهدف من هذا التشريع التاريخي هو الحفاظ على وحدة الأسر وتخفيف العبء الإداري عن القنصليات الأمريكية في الخارج، فضلاً عن دمج الكفاءات والعمالة الماهرة في الاقتصاد الأمريكي بسلاسة.
تفاصيل القرار الجديد وتأثيره المباشر على المهاجرين
يمثل القرار الأخير تحولاً كبيراً في نظام الهجرة الأمريكي. فقد صرحت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، المشرفة على هيئة الهجرة، بأن الأجنبي الموجود مؤقتاً داخل الولايات المتحدة والراغب في الحصول على الإقامة الدائمة، عليه العودة إلى بلده الأصلي لتقديم الطلب. وتبرر الوزارة هذا الإجراء بأن السياسة الجديدة تهدف إلى إعادة نظام الهجرة للعمل بالشكل الذي حدده القانون، بدلاً من تشجيع استغلال الثغرات القانونية.
تاريخياً، يحصل المهاجرون على الإقامة الدائمة عبر مسارين: الأول من خلال التقديم في القنصليات الأمريكية بالخارج، والثاني عبر تعديل الوضع القانوني من داخل أمريكا. وبحسب محللين في معهد “كاتو”، وهو مركز بحث ليبرالي مقره في واشنطن العاصمة، فإن هناك أكثر من مليون مهاجر داخل الولايات المتحدة ينتظرون حالياً الحصول على البطاقة الخضراء. مع تطبيق السياسة الجديدة، سيُطلب من عدد كبير من هؤلاء المتقدمين مغادرة البلاد أثناء معالجة طلباتهم، مما قد ينعكس بشكل مدمر على الأسر المختلطة الوضع القانوني، حيث سيضطر الأفراد لترك وظائفهم ومنازلهم وعائلاتهم لفترات غير معلومة.
التداعيات الإنسانية والدولية لتعديل سياسة الجرين كارد
لا يقتصر تأثير هذا القرار على الداخل الأمريكي فحسب، بل يمتد ليشمل تداعيات إنسانية ودولية واسعة. فقد انتقدت منظمات حقوقية وإنسانية هذا التوجه بشدة. على سبيل المثال، أكدت منظمة “HIAS”، وهي منظمة إغاثة دولية تقدم خدماتها للاجئين، أن التعديلات الصارمة في سياسة الجرين كارد قد تجبر ضحايا الاتجار بالبشر والأطفال الذين تعرضوا للإهمال أو العنف على العودة إلى دول خطرة هربوا منها سابقاً، فقط لاستكمال إجراءات الإقامة الدائمة.
على الصعيد الدولي والإقليمي، يثير القرار مخاوف إضافية بسبب التراكم الكبير في ملفات التأشيرات والإقامة الدائمة داخل أجهزة الهجرة الأمريكية والقنصليات حول العالم. في وقت لا تزال فيه تفاصيل التعامل مع الطلبات المقدمة بالفعل غير واضحة، يرى الخبراء أن هذا الإجراء سيؤثر سلباً على جاذبية الولايات المتحدة كوجهة عالمية للكفاءات والطلاب الدوليين.
ويأتي هذا الإجراء ضمن سلسلة من السياسات المتشددة التي تبنتها إدارة ترمب لتقييد قوانين الهجرة. فقد سبق أن خفّضت الإدارة مدة بعض التأشيرات الخاصة بالطلاب والزائرين الثقافيين والعاملين في وسائل الإعلام. وفي يناير الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها ألغت أكثر من 100 ألف تأشيرة، كما اتخذت الإدارة خطوات أخرى استهدفت فئات تتمتع بوضع قانوني داخل الولايات المتحدة، مثل اللاجئين والمهاجرين الحاصلين على برامج حماية خاصة، مما يعكس توجهاً شاملاً لإعادة صياغة الديموغرافيا وقوانين العمل في البلاد.


