تصريحات تاريخية في منتدى شانغريلا الأمني
في خطاب محوري يعكس تحولاً استراتيجياً في السياسة الدفاعية الأمريكية، وجه وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث رسالة حاسمة لحلفاء واشنطن وخصومها على حد سواء، مؤكداً أن عصر الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية قد انتهى. خلال كلمته في منتدى “حوار شانغريلا” الأمني بسنغافورة، وهو أبرز تجمع لقادة الدفاع والدبلوماسيين في آسيا، حذر الوزير من التنامي المتسارع للقدرات العسكرية الصينية، ودعا حلفاء الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي بشكل ملموس لضمان توازن القوى والاستقرار الإقليمي.
تحول استراتيجي ودعوة لتقاسم الأعباء
تأتي هذه التصريحات في سياق تحول أوسع في الفكر الاستراتيجي الأمريكي الذي بدأ منذ سنوات، والذي يهدف إلى إعادة توزيع الأعباء الأمنية بشكل أكثر إنصافاً. لعقود طويلة بعد الحرب العالمية الثانية، لعبت الولايات المتحدة دور الضامن الرئيسي للأمن في مناطق شاسعة من العالم، بما في ذلك آسيا وأوروبا. إلا أن التحديات الاقتصادية الداخلية والإنهاك من الصراعات الطويلة، إلى جانب الصعود الاقتصادي والعسكري لحلفائها، دفع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وبشكل خاص إدارة الرئيس دونالد ترمب، إلى المطالبة بمساهمات أكبر من الشركاء. وأكد الوزير أن واشنطن تبحث عن “شركاء لا محميات”، مشدداً على أن قوة التحالفات تتطلب مساهمة الجميع في تحمل المسؤوليات الأمنية والمالية، وأن مرحلة حماية الدول الغنية على حساب دافع الضرائب الأمريكي قد ولّت.
مواجهة التوسع الصيني: ردع وحوار متوازن
شكلت المخاوف من التحديث العسكري الصيني الواسع النطاق محور كلمة وزير الدفاع الأمريكي. وأشار إلى ما وصفه بأكبر عملية تحديث عسكري في تاريخ الصين الحديث، وتوسيع نطاق أنشطتها العسكرية داخل المنطقة وخارجها، الأمر الذي يثير “مخاوف مبررة”. وأوضح أن استراتيجية واشنطن لا تهدف إلى الهيمنة، بل إلى بناء شبكة قوية من الحلفاء والشركاء القادرين على الدفاع عن سيادتهم وردع أي تهديدات محتملة. ورغم اللهجة التحذيرية، تبنى الوزير نبرة أكثر هدوءاً تجاه العلاقات المباشرة مع بكين، مؤكداً أنها تشهد تحسناً مقارنة بالسنوات الماضية بفضل تكثيف قنوات الاتصال المباشر بين المؤسستين العسكريتين، وهو ما يساعد في إدارة التوترات وتجنب سوء الفهم الذي قد يؤدي إلى صراع غير محسوب.
تداعيات عالمية من الشرق الأوسط إلى تايوان
لم يقتصر الخطاب على الشأن الآسيوي، بل تطرق أيضاً إلى ملفات دولية أخرى. وفيما يتعلق بالشرق الأوسط، أكد هيغسيث أن الولايات المتحدة مستعدة لاستئناف العمليات العسكرية ضد إيران إذا فشلت الجهود الدبلوماسية الجارية في التوصل إلى اتفاق يمنع طهران من امتلاك سلاح نووي. وأوضح أن الإدارة الأمريكية لا تزال تفضل الحلول السياسية، لكن القدرات العسكرية الأمريكية جاهزة للتحرك إذا اقتضت الضرورة. وفي الملف التايواني الشائك، أكد أن السياسة الأمريكية لم تتغير، وأن أي قرار بشأن صفقة أسلحة محتملة لتايوان، والتي قد تصل قيمتها إلى 14 مليار دولار، يبقى بيد الرئيس ترمب شخصياً، ويعتمد على تقييمات البيت الأبيض لطبيعة العلاقة مع الصين في المرحلة القادمة.


