في خطوة دبلوماسية استثنائية ومفاجئة، شهدت الساحة السياسية مؤخراً لقاء أمريكي كوبي في هافانا، وهو الحدث الذي أثار تساؤلات واسعة حول مستقبل العلاقات بين البلدين. جاء هذا الاجتماع النادر بين مسؤولين من الولايات المتحدة وكوبا في العاصمة الكوبية، رغم التهديدات المتصاعدة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالتدخل العسكري، مما يضع المنطقة أمام مفترق طرق بين التهدئة والتصعيد.
كواليس ومطالب أول لقاء أمريكي كوبي في هافانا
ذكرت وكالة «أسوشيتد برس» أن هذه الجولة الدبلوماسية وصفت بأنها «استثنائية». وخلالها، طالب الوفد الأمريكي الحكومة الكوبية بإجراء تغييرات جذرية وكبيرة في هيكلها الاقتصادي ونظام الحكم. وشددت واشنطن بلهجة حازمة على أنها لن تسمح بأن تتحول الجزيرة الكوبية إلى تهديد للأمن القومي الأمريكي في المنطقة.
وكشف مسؤول في الخارجية الأمريكية أن مسؤولاً رفيع المستوى من الوزارة التقى خلال الزيارة مع راؤول جييرمو رودريجيز كاسترو، حفيد الزعيم الكوبي السابق راؤول كاسترو. ورغم عدم شغل الحفيد لمنصب رسمي، يُعتقد أنه يتمتع بنفوذ قوي داخل أروقة الحكومة. ورفضت الخارجية الإفصاح عن اسم المسؤول الأمريكي. من جهة أخرى، أوضح مسؤول أمريكي آخر أن وزير الخارجية ماركو روبيو لم يكن ضمن الوفد، رغم لقائه السابق بحفيد كاسترو في فبراير الماضي في دولة سانت كيتس ونيفيس بالكاريبي. وتُعد هذه الزيارة أول رحلة حكومية أمريكية إلى كوبا، خارج نطاق قاعدة جوانتانامو، منذ عام 2016.
جذور الأزمة: إرث من القطيعة والحصار الاقتصادي
لفهم أبعاد هذا التحرك، يجب النظر إلى السياق التاريخي المعقد بين واشنطن وهافانا. فالعلاقات بين البلدين اتسمت بالعداء منذ نجاح الثورة الكوبية عام 1959، وما تلاها من فرض الولايات المتحدة حصاراً اقتصادياً شاملاً في أوائل الستينيات. ورغم الانفراجة التاريخية التي شهدتها حقبة الرئيس الأسبق باراك أوباما، والتي توجت بإعادة فتح السفارات، إلا أن إدارة ترمب السابقة أعادت فرض عقوبات قاسية وأدرجت كوبا مجدداً في قائمة الدول الراعية للإرهاب. هذا الإرث الثقيل يجعل من أي تقارب دبلوماسي حالي خطوة محفوفة بالتحديات والشكوك المتبادلة.
الأزمة الداخلية في كوبا وعرض «ستارلينك»
تتفاقم أزمات كوبا الداخلية بشكل غير مسبوق في ظل الحصار الأمريكي المستمر، خصوصاً في قطاع الطاقة الذي يعاني من انهيارات متكررة للشبكة الكهربائية. وتصف إدارة ترمب الحكومة الكوبية بأنها «غير فعالة وتمارس الانتهاكات». في المقابل، تشترط واشنطن لتخفيف العقوبات إنهاء ما تصفه بالقمع السياسي، والإفراج عن السجناء السياسيين، وإصلاح الاقتصاد المتعثر. وفي خطوة لافتة خلال المحادثات، ناقش الطرفان مقترحاً أمريكياً لتوفير إنترنت مجاني ومستقر للكوبيين عبر شبكة «ستارلينك» الفضائية، وهو ما قد يغير من ديناميكية التواصل داخل الجزيرة المعزولة.
التداعيات الإقليمية والدولية وموقف هافانا الصارم
يحمل هذا التطور الدبلوماسي أهمية كبرى تتجاوز الحدود الثنائية. فعلى المستوى الإقليمي، تسعى واشنطن لضبط موجات الهجرة غير الشرعية المتدفقة من الكاريبي نحو السواحل الأمريكية، بينما على الصعيد الدولي، تهدف الولايات المتحدة إلى الحد من النفوذ الروسي والصيني المتزايد في كوبا. وقد برزت هذه المحادثات إلى العلن بعد تلميحات من ترمب بأن إدارته قد تركز على كوبا بعد الانتهاء من ملف إيران، واصفاً إياها بـ«الدولة الفاشلة».
من جانبه، جاء الرد الكوبي حازماً؛ حيث صرح الرئيس ميجيل دياز كانيل بأن الولايات المتحدة لا تملك أي مبرر لشن هجوم عسكري أو السعي للإطاحة بحكومته. وأكد استعداد بلاده التام للدفاع عن سيادتها، مشيراً إلى أن «المرحلة شديدة الصعوبة وتتطلب منا أن نكون مستعدين لمواجهة تهديدات خطيرة، بما في ذلك عدوان عسكري. نحن لا نرغب في ذلك، لكن من واجبنا الاستعداد لمنعه». ويبقى التساؤل معلقاً: هل تنجح هذه الخطوة في كسر الجليد، أم أنها ستقود إلى تصعيد جديد في حال رفضت كوبا المطالب الأمريكية؟


