أعلن محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، عن إنجاز تاريخي يتمثل في التوصل إلى اتفاق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة لاعتماد ميزانية موحدة. يمثل توحيد الميزانية في ليبيا وتوحيد الإنفاق العام خطوة مفصلية لإنهاء حالة الانقسام المالي المؤسف الذي استمر لأكثر من عقد من الزمان، مما يمهد الطريق نحو تعزيز الاستقرار الاقتصادي في البلاد. جاء هذا الإعلان خلال مراسم توقيع رسمية، حيث أكد المحافظ أن هذا التوافق يعكس إرادة وطنية جامعة، ويثبت قدرة الليبيين على تجاوز الخلافات العميقة عندما تتوحد الرؤى نحو بناء مستقبل اقتصادي مستقر ومزدهر، واضعاً حداً لحالة الازدواج المالي ومؤسساً لمرحلة جديدة تتسم بالانضباط والشفافية في إدارة المال العام.
السياق التاريخي: جذور الانقسام المالي وتداعياته
تعاني الدولة الليبية منذ عام 2014 من انقسام مؤسسي وسياسي حاد بين شرق البلاد وغربها، وهو ما ألقى بظلاله الثقيلة على كافة قطاعات الدولة، وعلى رأسها القطاع الاقتصادي. أدى هذا الانقسام إلى وجود حكومتين ومؤسسات مالية موازية، مما تسبب في ازدواجية الإنفاق العام وغياب رؤية مالية موحدة. طوال السنوات الماضية، واجه الاقتصاد الليبي تحديات جسيمة تمثلت في تضخم غير مسبوق، وتدهور في قيمة العملة المحلية، وتراجع في مستوى الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين. لذلك، كان المطلب الشعبي والدولي الدائم هو ضرورة إنهاء هذا التشظي والعودة إلى مؤسسات موحدة قادرة على إدارة ثروات البلاد، وخاصة الإيرادات النفطية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الليبي، بطريقة عادلة وشفافة تضمن التوزيع العادل للثروات.
تفاصيل اتفاق توحيد الميزانية في ليبيا
أوضح البيان الصادر عن مصرف ليبيا المركزي أن التوقيع على الملحق رقم (1) للاتفاق التنموي الموحد يتضمن اعتماد الجداول العامة للإنفاق بكافة أبوابه. تُعد هذه الخطوة، المتمثلة في توحيد الميزانية في ليبيا، سابقة هي الأولى من نوعها منذ أكثر من 13 عاماً. يستند الإطار المالي الجديد إلى القدرة الفعلية للاقتصاد الليبي، بما يدعم الاستدامة المالية ويحقق تنمية متوازنة بين مختلف المناطق والمدن الليبية. وقد وقع على هذا الاتفاق كل من عبد الجليل الشاوش، رئيس اللجنة المالية بالمجلس الأعلى للدولة، وعيسى العريبي، رئيس لجنة الطاقة بمجلس النواب، في خطوة تعكس تقارباً سياسياً ملموساً حول الملف الاقتصادي الذي طالما كان نقطة خلاف رئيسية بين الأطراف المتنازعة.
الأهمية الاستراتيجية والتأثيرات المتوقعة للقرار
لا تقتصر أهمية هذا الحدث على الجانب المحلي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً إقليمية ودولية. على الصعيد المحلي، يُتوقع أن يساهم هذا المسار في تعزيز استقرار سعر الصرف وتقوية الدينار الليبي من خلال ضبط الإنفاق والحد من التشوهات المالية والمضاربة على العملات الأجنبية. كما سيؤدي إلى تحسين ثقة المواطن والمستثمر في الاقتصاد الوطني، مما يفتح الباب أمام استثمارات جديدة تساهم في إعادة الإعمار. إقليمياً ودولياً، يبعث هذا الاتفاق برسالة طمأنة للشركاء الاقتصاديين والمجتمع الدولي بأن ليبيا تسير بخطى ثابتة نحو التعافي وبناء مؤسسات الدولة. وقد ثمن المصرف المركزي دور الأطراف المحلية والدولية التي ساهمت في إنجاح هذا التوافق، مشيداً بشكل خاص بدعم الولايات المتحدة الأمريكية في الجهود الوساطية والفنية. يأتي هذا التتويج لجهود سابقة تهدف إلى توحيد السياسة المالية وتوجيه الموارد نحو تنمية حقيقية ومستدامة، وتقليل الاعتماد المفرط على تقلبات أسواق النفط العالمية.


