في خطوة حاسمة نحو إنهاء حالة الانسداد السياسي، بدأ مجلس النواب العراقي، اليوم السبت، إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية العراقي، وذلك في تطور لافت تزامن مع إعلان الرئيس الحالي عبد اللطيف جمال رشيد انسحابه رسمياً من سباق الترشح. وأفادت الدائرة الإعلامية لمجلس النواب، في بيان مقتضب نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع)، بأن رئيس المجلس أعلن رسمياً انسحاب عبد اللطيف رشيد من قائمة المرشحين، مما أدى إلى انخفاض عدد المتنافسين على هذا المنصب السيادي إلى 16 مرشحاً بعدما كان العدد يبلغ 18 مرشحاً. وعقد البرلمان جلسته السابعة عشرة ضمن الدورة الانتخابية السادسة بحضور 223 نائباً، لتدشين مرحلة جديدة في مسار العملية السياسية.
السياق التاريخي والتوافقات السياسية في العراق
لفهم طبيعة المشهد الحالي، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية التي تحكم النظام السياسي العراقي منذ عام 2003. فقد جرى العرف السياسي على توزيع الرئاسات الثلاث بناءً على توافقات المكونات الرئيسية؛ حيث يُسند منصب رئيس مجلس النواب للمكون السني، ومنصب رئيس مجلس الوزراء للمكون الشيعي، بينما يُخصص منصب رئاسة الجمهورية للمكون الكردي. وخلال الدورات السابقة، كان هناك شبه اتفاق ضمني بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، على تقاسم المناصب في بغداد وإقليم كردستان. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً في حدة التنافس والانقسام بينهما حول شخصية رئيس الجمهورية، مما جعل كل جلسة انتخابية محطة مفصلية تتطلب مفاوضات شاقة ومعقدة.
تفاصيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية العراقي والمقاطعات النيابية
لم تخلُ جلسة انتخاب رئيس الجمهورية العراقي من التجاذبات السياسية المعتادة. فمن جانبها، أعلنت كتلة “حقوق” النيابية مقاطعتها للجلسة. وأوضح عضو الكتلة محمد جبار الحسناوي في مؤتمر صحفي أن المقاطعة تأتي احتجاجاً على تأجيل تكليف مرشح الإطار التنسيقي لمنصب رئيس الوزراء في حال تم انتخاب الرئيس. في المقابل، أعلنت خمس كتل نيابية بارزة حضورها الجلسة، وهي: كتلة الإعمار والتنمية، قوى الدولة الوطنية، صادقون، بابليون، وتقدم، مما وفر النصاب القانوني اللازم للمضي قدماً في الإجراءات الدستورية.
أبرز المرشحين والتنافس الكردي المستمر
في ظل استمرار الانقسام بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، يتمسك كل طرف بمرشحه، مما يعني دخول الجلسة بمرشحين مختلفين دون اتفاق مسبق. ويتنافس حالياً 16 مرشحاً على منصب رئيس الجمهورية، يبرز من بينهم فؤاد حسين كمرشح عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، ونزار آميدي كمرشح عن الاتحاد الوطني الكردستاني. هذا التنافس يعكس عمق الخلافات الكردية-الكردية وتأثيرها المباشر على سرعة حسم الاستحقاقات الدستورية في العاصمة بغداد.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير المتوقع للحدث
تكتسب هذه الخطوة أهمية بالغة تتجاوز حدود قبة البرلمان. فعلى الصعيد المحلي، يُعد حسم هذا المنصب المفتاح الأساسي لإنهاء الفراغ الدستوري وتشكيل حكومة جديدة قادرة على تلبية تطلعات الشارع العراقي، وإقرار الموازنة العامة، ومعالجة الأزمات الاقتصادية والخدمية. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن استقرار العراق يمثل ركيزة أساسية لأمن الشرق الأوسط. إن نجاح القوى السياسية في تمرير الاستحقاق الرئاسي يبعث برسائل طمأنة للمجتمع الدولي والمستثمرين الأجانب بأن العراق يسير نحو الاستقرار المؤسساتي، مما يعزز من مكانته الدبلوماسية وقدرته على لعب دور محوري في تقريب وجهات النظر بين القوى الإقليمية المتنافسة.
الخطوات الدستورية لتشكيل الحكومة المرتقبة
وفقاً للآليات المتبعة، فإنه في حال نجاح البرلمان في حسم التصويت، وبعد أداء الرئيس الجديد اليمين الدستورية، ستكون أمامه مهلة حاسمة تبلغ 15 يوماً لتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة. وتستند هذه الخطوة إلى المادة 76 من الدستور العراقي، والتي تنص أيضاً على أن يقدم رئيس مجلس الوزراء المكلف تشكيلته الوزارية وبرنامجه الحكومي إلى مجلس النواب لنيل الثقة خلال مدة أقصاها 30 يوماً، مما يضع البلاد أمام جدول زمني مكثف لرسم ملامح المرحلة التنفيذية المقبلة.


