أكد الباحث في العلاقات الثقافية والدراسات الاستشراقية، بسام الجيال، أن مشروع توحيد المملكة العربية السعودية بقيادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود لم يكن مجرد حدث وطني داخلي، بل شكل نقطة تحول جيوستراتيجية أعادت رسم الخارطة السياسية والأمنية لمنطقة الخليج العربي بأكملها.
الجزيرة العربية قبل التوحيد
وأوضح الجيال أن الجزيرة العربية قبل أكثر من قرن كانت تفتقر إلى سلطة مركزية مستقرة، حيث توزعت القوى بين إمارات محلية، وتحالفات قبلية، ونفوذ عثماني، وحضور بريطاني متزايد على السواحل. ومع انطلاق عملية التوحيد عام 1902 وحتى إعلان قيام المملكة عام 1932، نجح الملك عبدالعزيز في تأسيس مركز سياسي مستقر أنهى حالة الفراغ السياسي ونظم العلاقات بين المناطق المختلفة.
تحول مفهوم الأمن والحدود الجغرافية
وساهم قيام الدولة المركزية في تغيير مفهوم الأمن ليصبح وظيفة حديثة تتولاها الدولة، بما يشمل حماية الطرق وتأمين حركة الأفراد والبضائع وإدارة الحدود. كما انعكس هذا الاستقرار على تنظيم وإدارة شعيرة الحج وتأمين طرقها، مما عزز مكانة الجزيرة العربية كمركز ديني وسياسي في العالم الإسلامي.
وأضاف الباحث أن ضم منطقة الأحساء حول المملكة إلى دولة خليجية تمتلك شريطاً ساحلياً واسعاً، مما ربطها مباشرة بحركة التجارة البحرية والاقتصاد، وحول العلاقة بين المملكة والخليج إلى معادلة جغرافية وسياسية مشتركة.
النفط وبناء الدولة المؤسسية
وأشار الجيال إلى أن النفط لم يصنع الخليج الحديث من العدم، بل جاء إلى منطقة تشهد بالفعل تحولاً سياسياً عميقاً؛ حيث قطعت عملية بناء الدولة في المملكة شوطاً كبيراً قبل بدء الإنتاج النفطي الواسع، مما وفر إطاراً مؤسسياً قادراً على إدارة هذه الثروة وتوظيفها.
من التوحيد إلى مجلس التعاون الخليجي
وقد مهد هذا الاستقرار الإقليمي لتعزيز التعاون الخليجي بدلاً من التنافس، وهو ما توج بتأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 كمسار طبيعي لحماية المصالح المشتركة. وتبرز مكانة المملكة كأكبر دول المجلس مساحة وسكاناً وعمقاً جغرافياً يربطها بحدود مباشرة مع معظم دول الخليج.
وشبه الباحث هذا التحول التاريخي بتجارب عالمية مثل توحيد ألمانيا بقيادة بسمارك والوحدة الإيطالية، حيث تجاوزت آثار هذه التحولات الحدود الوطنية لتغير موازين القوى الإقليمية بالكامل وتضع أسس الاستقرار الحديث في المنطقة.


