شهدت الساحة الميدانية تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، حيث شنت القوات الأوكرانية موجة هجمات واسعة بالطائرات المسيّرة استهدفت مناطق حيوية عدة في عمق الأراضي الروسية. وتركزت هجمات المسيرات الأوكرانية بشكل لافت في محيط مدينة سان بطرسبرغ، بالتزامن مع انطلاق أعمال المنتدى الاقتصادي الدولي بالمدينة. وفي المقابل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية نجاح دفاعاتها الجوية في اعتراض وإسقاط مئات الطائرات الانتحارية خلال ليلة واحدة، مما يعكس تحولاً استراتيجياً كبيراً في مسار الحرب الدائرة بين الجارين.
تفاصيل التصعيد الميداني وحصيلة هجمات المسيرات الأوكرانية
أفادت وزارة الدفاع الروسية بأن أنظمتها الدفاعية تمكنت من اعتراض وتدمير 376 طائرة مسيّرة أوكرانية في أجواء عدة مقاطعات. وأكد رئيس بلدية موسكو، سيرغي سوبيانين، إسقاط 8 طائرات مسيّرة كانت متجهة نحو العاصمة الروسية. وفي مقاطعة لينينغراد المحيطة بسان بطرسبرغ، أعلن الحاكم ألكسندر دروزدينكو إسقاط 86 مسيّرة، مؤكداً استمرار التصدي الجوي. وتسببت هذه الهجمات في تعليق مؤقت للملاحة الجوية بمطار “بولكوفو” الدولي بسان بطرسبرغ، بينما اندلع حريق هائل في مستودع للوقود ببلدة أوست لابينسك في إقليم كراسنودار إثر ضربة جوية مماثلة.
دلالات التوقيت: استهداف منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي
لم يكن اختيار توقيت الهجوم عشوائياً؛ إذ جاء متزامناً مع انعقاد منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، وهو الحدث السنوي الأبرز الذي تستخدمه موسكو كمنصة لعرض قوتها الاقتصادية وبناء شراكات دولية جديدة في ظل العقوبات الغربية. إن استهداف منشأة نفطية وموقع عسكري مجاور للمنتدى، وتصاعد أعمدة الدخان في سماء المدينة أثناء استقبال الوفود الدبلوماسية والاقتصادية، يحمل رسالة سياسية وأمنية بالغة الأهمية من كييف، مفادها أن العمق الروسي لم يعد آمناً، وأن الحرب يمكن أن تؤثر مباشرة على الفعاليات السيادية الروسية. تاريخياً، كانت سان بطرسبرغ – مسقط رأس الرئيس فلاديمير بوتين – تُعتبر بعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة، لكن هذا الهجوم يثبت نجاح أوكرانيا في تطوير قدراتها التكنولوجية للوصول إلى أهداف استراتيجية على بعد مئات الكيلومترات.
الخطر النووي يتصاعد في زاباروجيا وضربات روسية مضادة
على جبهة أخرى، أعلنت شركة “روس آتوم” الروسية للطاقة النووية عن إصابة خمسة من مهندسيها في هجوم متعمد بمسيرة أوكرانية استهدف فريقاً مخصصاً لإزالة الألغام بالقرب من محطة زاباروجيا النووية. وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية وقوع هذا الحادث الخطير، داعية الأطراف إلى ضبط النفس والالتزام بوقف إطلاق النار حول المنشأة الحيوية لتفادي كارثة نووية قد تعصف بالمنطقة برمتها.
وفي المقابل، لم تتوقف الآلة العسكرية الروسية عن الرد؛ حيث أعلنت السلطات الأوكرانية مقتل ما لا يقل عن 5 مدنيين في قصف روسي عنيف استهدف أحياء سكنية ومحطة وقود في مقاطعة خيرسون الجنوبية، بالإضافة إلى سقوط ضحايا آخرين في زاباروجيا وكريفى ريغ جراء هجمات صاروخية ومدفعية روسية مكثفة.
الأبعاد السياسية وموقف واشنطن في عهد ترامب
سياسياً، يلقي هذا التصعيد بظلاله على العلاقات الدولية ومستقبل المفاوضات. وقد أبدى الكرملين ترحيباً حذراً بإعلان واشنطن استعدادها للعب دور في تسوية النزاع الأوكراني. وصرح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، بأن روسيا ترحب بالمساعي الحميدة لإنهاء الأزمة، لكنه انتقد ربط تحسين العلاقات الثنائية بحل الملف الأوكراني.
وتأتي هذه التطورات في وقت يراقب فيه المجتمع الدولي عن كثب تحركات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أكد مراراً سعيه لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية عبر تسوية سياسية سريعة. ويرى مراقبون أن نجاح أوكرانيا في نقل المعركة إلى العمق الروسي قد يغير من شروط التفاوض المستقبلية، ويفرض واقعاً ميدانياً جديداً يتعين على الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب التعامل معه عند صياغة أي مبادرة سلام دولية.


