في تصعيد عسكري لافت، شهدت الساعات الأخيرة تبادلاً عنيفاً للقصف بين القوات الروسية والأوكرانية، حيث شنت موسكو هجمات واسعة النطاق بالصواريخ والطائرات المسيرة، وردت كييف باستهداف منشآت حيوية في العمق الروسي. يأتي هذا التصعيد في وقت حرج، بالتزامن مع إعلان الاتحاد الأوروبي عن خطوة تاريخية ببدء مفاوضات انضمام أوكرانيا ومولدوفا رسمياً، وهو ما تعتبره روسيا تجاوزاً لخطوطها الحمراء وتهديداً مباشراً لأمنها القومي، مما يوضح أن مخاوف بوتين من تقارب جيرانه مع الغرب حقيقية وتترجم إلى ردود فعل عسكرية على الأرض.
خطوة أوروبية تاريخية تشعل فتيل المواجهة
كانت الشرارة السياسية التي سبقت هذا التصعيد هي إعلان رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، يوم الجمعة، عن اتفاق دول الاتحاد على بدء مفاوضات العضوية مع أوكرانيا ومولدوفا. ووصفت هذه الخطوة بأنها “اعتراف بالعزم والشجاعة والعمل الجاد” الذي أظهرته الدولتان، مؤكدة أن أول مؤتمر حكومي دولي سيعقد يوم الثلاثاء لفتح “مجموعة الأساسيات” التي تمثل العمود الفقري لعملية الانضمام. هذه الخطوة، التي طالما سعت إليها كييف، تمثل تحولاً استراتيجياً كبيراً يرسخ مسار أوكرانيا بعيداً عن فلك النفوذ الروسي، وهو الأمر الذي حاربت موسكو لمنعه منذ سنوات طويلة، ويعود بجذوره إلى ما قبل الغزو الشامل عام 2022.
جذور الصراع ومخاوف موسكو الأمنية
لم يبدأ الصراع في فبراير 2022، بل تمتد جذوره إلى عام 2014 مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ودعمها للانفصاليين في إقليم دونباس. ولطالما نظرت روسيا إلى توسع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي شرقاً باعتباره تهديداً وجودياً. إن طموحات أوكرانيا في الانضمام إلى هذه التكتلات الغربية كانت في صميم المبررات التي ساقتها موسكو لشن “عمليتها العسكرية الخاصة”. وبالتالي، فإن بدء مفاوضات الانضمام الرسمية للاتحاد الأوروبي لا يُنظر إليه في الكرملين كخطوة سياسية فحسب، بل كعمل عدائي يعزز من عزلة روسيا ويقوي المعسكر الغربي على حدودها.
هجمات مكثفة: أوكرانيا وروسيا تتبادلان الضربات
رداً على التطورات السياسية، كثفت روسيا من هجماتها. وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن 11 منطقة أوكرانية تعرضت لهجمات روسية مكثفة منذ بداية الأسبوع، مشيراً إلى أن روسيا استخدمت نحو 530 طائرة مسيرة وصاروخاً موجهاً. وأضاف أن هذه الهجمات أسفرت عن إصابة “عشرات الأشخاص”. من جانبها، أعلنت القوات الجوية الأوكرانية أن دفاعاتها أسقطت 110 طائرات مسيرة هجومية روسية من طراز “شاهد” خلال ليلة الجمعة. وفي إقليم دنيبروبتروفسك، أفاد المسؤولون بإصابة 9 أشخاص جراء هجوم استهدف ثلاثة أحياء بأكثر من 20 غارة. في المقابل، لم تقف أوكرانيا مكتوفة الأيدي، حيث استهدفت قواتها بشكل متزايد قطاع الطاقة الروسي. ففي إقليم كراسنودار جنوب روسيا، قُتل شخص وأصيب ثلاثة آخرون في هجوم أوكراني بطائرة مسيرة على منطقة تمريوك، تسبب حطامها في اندلاع حريق بمحطة بحرية، وفقاً للحاكم المحلي فينيامين كوندراتييف.
تداعيات إقليمية ودولية
إن استراتيجية كييف المتمثلة في ضرب منشآت النفط والبنية التحتية العسكرية داخل روسيا تهدف إلى إضعاف الآلة الحربية الروسية ورفع تكلفة الحرب على موسكو. وقد أعلن زيلينسكي في وقت سابق عن ضربات ناجحة استهدفت مصفاة نفط “كويبيشيف” في منطقة سامارا ومنشآت أخرى. وفي تعليقه على تقارب مولدوفا مع بروكسل، وصف المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، حكومتها بأنها ترتكب “خطأً جسيماً” باتباع “نهج تصادمي” تجاه روسيا، محذراً من أن السعي وراء عضوية الاتحاد الأوروبي لن يجلب أي خير للبلاد. يعكس هذا الموقف الروسي القلق العميق من فقدان النفوذ في جوارها المباشر، ويؤشر إلى أن الصراع قد يمتد ليشمل أبعاداً جيوسياسية أوسع، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار في منطقة البحر الأسود وأوروبا الشرقية بأكملها.


