مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع، لم تعد المعارك العسكرية على الجبهات هي التحدي الوحيد الذي يواجه كييف. بل برزت تحديات داخلية متفاقمة تهدد تماسك الجبهة الداخلية، لعل أبرزها أزمة التجنيد في أوكرانيا، والتي تحولت من إجراء عسكري روتيني إلى مصدر غضب اجتماعي واسع النطاق. وبينما تحاول الخطابات الرسمية التأكيد على استمرار الدعم الشعبي للحرب، تكشف الوقائع الميدانية عن تصاعد ملحوظ في رفض سياسات التعبئة القسرية التي تتبعها السلطات لتعويض الخسائر البشرية.
السياق التاريخي: من طوابير التطوع إلى أزمة التجنيد في أوكرانيا
في فبراير من عام 2022، ومع بداية الغزو الروسي، شهدت أوكرانيا موجة عارمة من الحماس الوطني، حيث اصطف الآلاف من المواطنين في طوابير طويلة للتطوع في صفوف القوات المسلحة والدفاع عن بلادهم. في تلك المرحلة، كان التطوع يشكل الأساس المتين لعمليات التعبئة. ولكن مع تحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، واستنفاد القوة البشرية الأولى، تغيرت المعادلة تماماً. اليوم، أصبح التجنيد الإجباري يمثل نحو 70% من إجمالي عمليات التجنيد الحالية، مما يعكس تحولاً جذرياً في المزاج العام وتراجعاً حاداً في الحماس الشعبي للتطوع، وهو ما أسس لظهور أزمة التجنيد في أوكرانيا بشكلها الحالي.
تصاعد الغضب الشعبي ورفض التعبئة القسرية
بحسب تحليل نشره موقع «ريسبونسبل ستيت كرافت»، أصبحت مشاهد اقتياد الرجال من الشوارع أو المنازل بالقوة إلى مراكز التجنيد متكررة بشكل يومي. وتترافق هذه الممارسات مع اتهامات واسعة بانتشار الفساد، وتلقي الرشاوي، وسوء المعاملة، وصولاً إلى تجنيد أشخاص يعانون من إعاقات جسدية أو ذهنية. هذا الملف الشائك أثار احتجاجات متزايدة داخل المجتمع الأوكراني؛ إذ تجاوزت عريضة إلكترونية تطالب بوقف التعبئة القسرية أكثر من 25 ألف توقيع، وهو الحد القانوني المطلوب لإجبار الرئاسة الأوكرانية على الرد الرسمي.
وفي سياق متصل، وصف مفوض حقوق الإنسان الأوكراني، دميترو لوبينيتس، نظام التجنيد الحالي بأنه قسري وتعسفي، لافتاً إلى قفزة هائلة في عدد الشكاوى المقدمة ضد مسؤولي التجنيد، والتي ارتفعت من 18 شكوى فقط في عام 2022 إلى أكثر من 6 آلاف شكوى في عام 2025. ومع استمرار الحرب، تطور هذا الرفض الشعبي إلى أعمال عنف مباشرة. فقد شهدت الفترة بين عامي 2024 و2025 سلسلة من حوادث القتل، والطعن، والاعتداءات المسلحة، شملت اقتحام مراكز تدريب عسكرية، وهجمات لتحرير مجندين بالقوة من سيارات النقل العسكرية. ووفقاً للإحصاءات الرسمية، تم تسجيل أكثر من 600 هجوم على مسؤولي التجنيد منذ بداية الحرب، مع تضاعف الحوادث ثلاث مرات تقريباً مؤخراً، مما يشير إلى اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والدولة.
التداعيات المحلية والإقليمية: شرخ مجتمعي ومخاوف ديموغرافية
على الصعيد المحلي، خلقت هذه الأزمة شرخاً طبقياً واضحاً. فالأثرياء يتمكنون غالباً من تجنب الخدمة العسكرية عبر دفع الرشاوي أو السفر إلى الخارج، بينما تتحمل المناطق الفقيرة والبلدات الصغيرة العبء الأكبر من الخسائر البشرية. وأعلن وزير الدفاع الأوكراني عن وجود نحو مليوني شخص تهربوا من التجنيد، إضافة إلى تسجيل 200 ألف حالة فرار من الخدمة العسكرية.
من جهة أخرى، أشار الباحث فولوديمير إيشتشينكو إلى أن استطلاعات الرأي التي تظهر استعداد الأوكرانيين للقتال لا تعكس الصورة الكاملة، لأنها تستثني ملايين المواطنين الموجودين خارج مناطق سيطرة الحكومة، سواء في القرم ودونباس، أو اللاجئين في دول الاتحاد الأوروبي وروسيا. إقليمياً، تثير هذه الأزمة مخاوف ديموغرافية واقتصادية عميقة؛ حيث حذر مسؤولون حكوميون من أن غالبية اللاجئين الأوكرانيين في الخارج قد لا يعودون أبداً، مما يهدد مستقبل سوق العمل واستقرار الدولة على المدى الطويل، ويضع ضغوطاً مستمرة على الدول الأوروبية المستضيفة.
التأثير الدولي ومستقبل الصراع
دولياً، تلقي هذه الأزمة بظلالها على حسابات الحلفاء الغربيين. فاستمرار تدفق المساعدات العسكرية والمالية من الولايات المتحدة وأوروبا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة كييف على توفير القوة البشرية اللازمة لاستخدام هذه الأسلحة على الأرض. تراجع القدرة على التعبئة قد يدفع المجتمع الدولي إلى إعادة تقييم استراتيجياته تجاه الصراع، مما قد يسرع من وتيرة الضغوط الدبلوماسية للبحث عن تسويات سياسية، خاصة مع إدراك جميع الأطراف أن استنزاف الموارد البشرية يمثل نقطة ضعف حرجة قد تغير مسار الحرب بأكملها.


