أعلنت الحكومة البريطانية رسمياً تعليق المضي قدماً في الاتفاق التاريخي الذي ينص على التنازل عن السيادة على جزر تشاجوس لصالح جمهورية موريشيوس. جاء هذا القرار المفاجئ إثر انتقادات واسعة ومتكررة وجهها الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترمب للاتفاقية. وفي ظل هذه التوترات، قررت لندن تأجيل طرح التشريع اللازم لتمرير الصفقة في البرلمان البريطاني، مؤكدة أنها لن تتخذ خطوات إضافية دون الحصول على دعم واضح ورسمي من الإدارة الأمريكية الجديدة، لضمان استمرار العمليات العسكرية المشتركة بسلاسة.
الجذور التاريخية لأزمة جزر تشاجوس والتهجير القسري
لفهم أبعاد هذا التعليق، يجب العودة إلى السياق التاريخي المعقد للأرخبيل. في عام 1965، وقبل ثلاث سنوات من استقلال موريشيوس، قامت المملكة المتحدة بفصل الأرخبيل لتأسيس ما يُعرف بـ “إقليم المحيط الهندي البريطاني”. وتلا ذلك قرار استراتيجي بتأجير أكبر جزر الأرخبيل، وهي جزيرة دييغو غارسيا، للولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء قاعدة عسكرية متقدمة.
ولتحقيق هذا الهدف العسكري، نفذت بريطانيا بين أواخر الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي عملية تهجير قسري شملت نحو 2000 من السكان الأصليين للأرخبيل. وقد خاض هؤلاء السكان، المعروفون باسم التشاجوسيين، معارك قانونية طويلة في المحاكم البريطانية والدولية للمطالبة بحق العودة إلى ديارهم، وهو ما يضيف بُعداً إنسانياً وحقوقياً عميقاً للنزاع السياسي الحالي.
التدخل الأمريكي وموقف إدارة ترمب من الاتفاقية
كان الاتفاق المبدئي بين لندن وموريشيوس يمنح بريطانيا حق الاحتفاظ بالسيطرة التشغيلية على القاعدة العسكرية في دييغو غارسيا عبر عقد إيجار يمتد لـ 99 عاماً. ورغم هذه الضمانات، وصف دونالد ترمب الاتفاق بأنه “خطأ فادح”، مما أثار مخاوف في واشنطن بشأن الأمن القومي الغربي وتأثير ذلك على النفوذ العسكري.
وأوضحت تقارير صحفية، أبرزها ما نشرته صحيفة “ذا تايمز”، أن حكومة كير ستارمر تدرك تماماً أن تمرير نقل السيادة يتطلب توافقاً تاماً مع الحليف الأمريكي. من جانبه، صرح جافين جلوفر، المدعي العام في موريشيوس، بأن تدهور العلاقات بين ستارمر وترمب يمثل جوهر المشكلة الحالية، مشيراً إلى أن بلاده ستعقد محادثات إضافية مع الجانب البريطاني لمحاولة إنقاذ الاتفاق وإيجاد أرضية مشتركة.
الأهمية الاستراتيجية والتداعيات الجيوسياسية المرتقبة
تكتسب قاعدة دييغو غارسيا أهمية بالغة تتجاوز النطاق المحلي لتؤثر على التوازنات الإقليمية والدولية. فهي تُعد نقطة انطلاق حيوية للعمليات العسكرية الأمريكية والبريطانية في الشرق الأوسط والمحيط الهندي، وتلعب دوراً محورياً في مراقبة وتأمين طرق الملاحة الدولية، فضلاً عن كونها ركيزة أساسية في استراتيجية الردع الغربية لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
إن تعليق الاتفاق يترك تداعيات واسعة؛ فعلى الصعيد الإقليمي، يثير إحباطاً في موريشيوس التي حظيت بدعم من محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة في مطالبها بالسيادة. أما على الصعيد الإنساني، فقد عبر متحدثون باسم منظمات حقوق التشاجوسيين، مثل توبي نوسكويث، عن دهشتهم من مسار الأحداث، مطالبين بضرورة ألا يكون السكان الأصليون هم الضحية الأكبر لهذه التجاذبات السياسية، ومشددين على حقهم في إعادة التوطين بكرامة بغض النظر عن الجهة التي تملك السيادة النهائية.


