منعطف حاسم في مسار المصالحة التركية الكردية
تشهد عملية السلام التركية منعطفاً حاسماً، حيث تتجه أنقرة نحو محطة مفصلية في مسارها الداخلي مع تسارع الخطوات التشريعية في البرلمان لإقرار قانون إطاري خاص بما يُعرف بـ”عملية السلام والمجتمع الديمقراطي”. تهدف هذه المبادرة، التي تصفها الحكومة التركية بأنها خطوة نحو “تركيا خالية من الإرهاب”، إلى إيجاد حل سياسي دائم للقضية الكردية، وعلى رأسها حل حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه بالكامل. ومع اقتراب العطلة الصيفية للبرلمان نهاية الشهر الحالي، يتصاعد الضغط من الجانب الكردي لإنجاز القانون قبل توقف الأعمال التشريعية، في وقت تسود فيه أجواء من التفاؤل الحذر، ممزوجة بذكريات تجربة السلام الفاشلة بين عامي 2013 و2015.
جذور الصراع ومحاولات السلام السابقة
تعود جذور الصراع بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني إلى أواخر السبعينيات، لكنه اتخذ طابعاً مسلحاً واسع النطاق منذ عام 1984، مخلفاً وراءه عشرات الآلاف من القتلى وخسائر اقتصادية فادحة، خاصة في مناطق جنوب شرق تركيا ذات الأغلبية الكردية. على مر العقود، شهدت القضية عدة محاولات للتسوية، كان أبرزها “عملية الحل” التي أطلقتها حكومة حزب العدالة والتنمية عام 2013. شهدت تلك الفترة مفاوضات مباشرة وغير مباشرة مع زعيم الحزب المسجون عبد الله أوجلان، وأدت إلى وقف إطلاق نار تاريخي. إلا أن غياب إطار قانوني متين، وتصاعد التوترات الإقليمية خاصة مع الحرب في سوريا، وانعدام الثقة بين الطرفين، أدى إلى انهيار العملية بالكامل في عام 2015، وعودة المواجهات المسلحة بشكل أكثر عنفاً. هذه التجربة المريرة هي ما يجعل الأطراف الكردية اليوم أكثر حذراً وتصميماً على ضرورة وجود ضمانات تشريعية واضحة.
الإطار القانوني الجديد: ركيزة عملية السلام التركية
يكمن جوهر التحرك الحالي في محاولة تفادي أخطاء الماضي عبر تأسيس العملية برمتها على أساس قانوني صلب. وتتواصل اللقاءات في جزيرة إيمرالي مع عبد الله أوجلان، الذي لا يزال شخصية محورية في أي تسوية. وكشف بيان صادر عن الوفد المكلف بالتواصل معه أن اجتماعاً جديداً سيُعقد قريباً، رغم عدم تحديد موعد رسمي. ويأتي هذا بعد لقاء الوفد بنائب رئيس حزب العدالة والتنمية، إفكان آلا، دون توضيح ما إذا كانت مسودة القانون الإطاري قد عُرضت على أوجلان. في المقابل، يضع حزب “الديمقراطية والمساواة للشعوب”، الممثل السياسي الرئيسي للحركة الكردية، شروطاً واضحة، أبرزها أن يتضمن القانون إسقاط جميع القضايا المرفوعة بحق أعضاء حزب العمال الكردستاني، مع ترك مسألة أماكن إقامتهم المستقبلية قابلة للتفاوض. وتؤكد المتحدثة باسم الحزب، عائشة غول دوغان، وجود تفاهم مشترك مع حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية على ضرورة عرض المسودة على البرلمان دون تأخير.
رهانات الثقة وتأثيرات إقليمية محتملة
رغم التحركات الإيجابية، يظل بناء الثقة هو التحدي الأكبر. القيادي البارز في حزب العمال الكردستاني، دوران كالكان، أعرب عن قناعته بأن الظروف الحالية تختلف عن الماضي، مرجعاً ذلك إلى تبدل الديناميكيات الإقليمية والداخلية التي تجعل الحل السياسي أكثر واقعية من الكفاح المسلح. ومع ذلك، أقر كالكان بأن العملية لا تسير حتى الآن على أساس ثقة متبادلة كاملة. إن نجاح هذه العملية لن يقتصر تأثيره على الداخل التركي، بل سيمتد إلى المنطقة بأكملها. فمن شأن التوصل إلى سلام دائم أن يعزز الاستقرار في تركيا، ويفتح آفاقاً اقتصادية جديدة، وله انعكاسات مباشرة على الأوضاع في شمال سوريا والعراق، حيث يتواجد نفوذ واسع للأحزاب الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني. كما سيعزز هذا النجاح مكانة تركيا الدولية كقوة قادرة على حل أعقد نزاعاتها الداخلية بالطرق السلمية.


