تصعيد مفتعل للتغطية على انهيار داخلي
تواجه جماعة الحوثي أزمة مالية خانقة تدفعها نحو تصعيد سياسي وعسكري مفتعل، متخذة من ملف الرحلات التجارية إلى مطار صنعاء الدولي ذريعة لصرف الأنظار عن انهيار اقتصادي متسارع وغضب شعبي متصاعد. يأتي هذا التحرك في وقت حرج للجماعة التي تعاني من تآكل مصادر تمويلها، وتفاقم السخط العام جراء انقطاع الرواتب وتدهور الخدمات الأساسية في مناطق سيطرتها، مما يرسم صورة قاتمة لمستقبل إدارة الجماعة للمناطق الخاضعة لها.
تعود جذور هذا الانهيار إلى سنوات من السياسات الاقتصادية المدمرة التي اتبعتها الجماعة منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة. فقد عملت على تحويل إيرادات الدولة من الجمارك والضرائب وقطاع الاتصالات لتمويل مجهودها الحربي وعمليات التجنيد، بدلاً من توجيهها للخدمات العامة ودفع رواتب الموظفين. وتفاقمت الأزمة بشكل حاد بعد تعطل أحد أبرز مصادر تمويلها، المتمثل في شحنات النفط الإيراني، عقب التوترات التي أثرت على خطوط الإمداد في المنطقة، مما ضيق الخناق المالي على الجماعة بشكل غير مسبوق.
أزمة مطار صنعاء: ورقة ضغط أم ستار دخان يخفي الأزمة المالية للحوثيين؟
تشير مصادر سياسية وحكومية يمنية إلى أن قيادة الحوثيين لجأت إلى إثارة أزمة الرحلات التجارية إلى مطار صنعاء كغطاء لتجاوز أزمتها الداخلية. فعلى الرغم من أن المبادرة الأردنية لتسيير رحلات منتظمة بين صنعاء وعمّان أثبتت عدم وجود أي حظر فعلي على الرحلات المدنية، إلا أن الجماعة تصر على خلق العقبات. وتؤكد المصادر أن توقف هذه الرحلات يعود في جوهره إلى رفض الجماعة تسليم أربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية استولت عليها سابقاً، وهو ما يعكس استخدامها للملفات الإنسانية كورقة للمناورة السياسية والتغطية على فشلها الإداري والاقتصادي.
هذا التصعيد لا يقتصر على ملف المطار، بل يمتد ليشمل التضييق على المنظمات الإنسانية، حيث أقدمت الجماعة على إغلاق مكاتب تابعة للأمم المتحدة ومنظمات إغاثية، واعتقال العشرات من موظفيها، في خطوة تهدف إلى إحكام السيطرة وتوجيه المساعدات لخدمة أجندتها، غير عابئة بالتداعيات الكارثية على ملايين اليمنيين الذين يعتمدون على هذه المساعدات للبقاء على قيد الحياة.
تداعيات إنسانية كارثية وتفاقم المعاناة
في ظل هذا الواقع، تتكشف أبعاد المأساة الإنسانية بشكل أعمق. فقد كشف تقرير حديث لمركز “أكابس” الدولي أن 68% من الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين تلجأ إلى استراتيجيات معيشية سلبية، مثل تقليص عدد الوجبات أو بيع الممتلكات، لتأمين غذائها. وأوضح التقرير أن التحسن الموسمي المحدود الذي شهده شهر مارس الماضي تبدد سريعاً، حيث ارتفعت نسبة الأسر التي تعاني من استهلاك غذائي غير كافٍ من 50% إلى 59% خلال أبريل، كما زادت نسبة الحرمان الغذائي الشديد من 25% إلى 31%، مرجعاً ذلك إلى تعليق المساعدات الإنسانية وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
من جانبها، حذرت شبكة الإنذار المبكر من المجاعة من أن اليمن لا يزال يسجل أحد أدنى معدلات المشاركة في القوى العاملة عالمياً، حيث لا يشارك في النشاط الاقتصادي سوى ثلث السكان في سن العمل. ورغم أن الهدنة الأممية خفضت مستوى العنف، إلا أنها لم تحسن الظروف المعيشية، مما يجعل الملايين أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية والمناخية في ظل تراجع التمويل الإغاثي وانقسام المؤسسات الاقتصادية.


