سادت حالة من الغموض والارتباك المشهد السياسي الإيراني خلال الساعات القليلة الماضية، وتصدر اسم الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد محركات البحث ووسائل الإعلام، وذلك عقب نشر قناة تلغرام منسوبة لمكتبه خبراً يفيد بمقتله، قبل أن يتم حذف المنشور بشكل مفاجئ، مما فتح الباب واسعاً أمام التكهنات والشائعات.
لغز البيان المحذوف وتضارب الروايات
بدأت القصة ببيان مقتضب نُشر عبر القناة المنسوبة لمكتب محمود أحمدي نجاد، زعم أن الرئيس الأسبق قد قضى نحبه برفقة عدد من مرافقيه إثر ضربة صاروخية نُسبت إلى إسرائيل والولايات المتحدة. إلا أن هذا الإعلان لم يستمر سوى دقائق معدودة قبل أن يختفي، تاركاً وراءه عاصفة من التساؤلات حول ما إذا كان الحساب قد تعرض للاختراق، أم أن هناك حدثاً أمنياً حقيقياً يجري التعتيم عليه.
وفي خضم هذا اللغط، نقلت وكالة «إيسنا» الإيرانية تقارير تفيد بعدم وجود معلومات مؤكدة، مشيرة في الوقت ذاته إلى انقطاع الاتصال به منذ يوم أمس. في المقابل، سارعت عائلة نجاد ومقربون منه لنفي صحة هذه الأنباء جملة وتفصيلاً، وفقاً لما ذكرته وكالة «خبر أونلاين»، مؤكدين أن ما يتم تداوله مجرد شائعات لا أساس لها من الصحة.
محمود أحمدي نجاد والنظام: تاريخ من الجدل والتوتر
لفهم خلفيات هذه الشائعات، لا بد من النظر إلى السياق السياسي المعقد الذي يحيط بالرجل. يُعد محمود أحمدي نجاد، الذي تولى الرئاسة لدورتين متتاليتين (2005-2013)، أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فبعد أن كان الابن المدلل للتيار المحافظ، تحول تدريجياً إلى شوكة في خاصرة النظام، ودخل في صدامات علنية وغير علنية مع المرشد الأعلى علي خامنئي ومؤسسات الدولة العميقة.
وقد تجلى هذا التوتر بوضوح في استبعاد مجلس صيانة الدستور له من سباق الانتخابات الرئاسية في عدة مناسبات، آخرها الانتخابات المبكرة التي جرت مؤخراً. هذا الإقصاء السياسي، المتزامن مع انتقادات نجاد اللاذعة للسياسات الحكومية والفساد، جعل منه شخصية «غير مرغوب فيها» لدى دوائر صنع القرار، مما يجعل أي خبر يتعلق بسلامته الأمنية مادة خصبة للتداول في ظل الاحتقان الداخلي.
تداعيات أمنية وسياسية محتملة
تكتسب شائعة اغتيال شخصية بوزن محمود أحمدي نجاد أهمية قصوى تتجاوز البعد المحلي. ففي حال صحة فرضية الاستهداف الخارجي (الإسرائيلي أو الأمريكي) التي ذكرها البيان المحذوف، فإن ذلك سيمثل خرقاً أمنياً غير مسبوق واغتيالاً سياسياً من العيار الثقيل قد يجر المنطقة إلى تصعيد خطير. أما داخلياً، فإن غياب نجاد، الذي لا يزال يتمتع بقاعدة شعبية بين الطبقات الفقيرة والمهمشة بسبب سياساته الشعبوية السابقة، قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار أو تأجيج الغضب الشعبي ضد المؤسسة الحاكمة.
من حداد إلى رئيس.. مسيرة صعود نجاد
وُلد أحمدي نجاد في 28 أكتوبر 1956 في قرية آرادان، ونشأ في أسرة متواضعة حيث كان والده يعمل حداداً. شق طريقه التعليمي بجد حتى حصل على الدكتوراه في هندسة وتخطيط النقل من جامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا. انخرط في العمل السياسي مبكراً كأحد القادة الطلابيين إبان الثورة عام 1979، ثم انضم للحرس الثوري وشارك في الحرب العراقية الإيرانية.
تدرج في المناصب من حاكم لمدن حدودية إلى عمدة لطهران عام 2003، حيث بنى سمعته كرجل بسيط يعيش حياة متواضعة، وهو ما ساعده في الفوز بالرئاسة عام 2005 ضد هاشمي رفسنجاني، ثم إعادة انتخابه في 2009 في انتخابات شهدت احتجاجات واسعة عرفت بـ«الحركة الخضراء». وحتى اللحظة، يبقى مصيره معلقاً بين النفي الرسمي والغموض الإلكتروني.


