تقف منطقة الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة ضبابية، حيث لا يسود سلام حقيقي ولا تندلع حرب شاملة، بل تسود مساحة رمادية تُدار فيها سيناريوهات المخاطر يوماً بيوم. في هذا السياق، تبرز إستراتيجية ترمب الجديدة تجاه إيران، والتي لا تبدو صراعاً نحو الحسم العسكري، بل إدارة طويلة الأمد لأزمة معقدة، حيث يمثل التجميد الحالي للمواجهة مجرد محطة ضمن مسار أطول من الضغوط والمساومات المحتملة.
هذه السياسة لم تنشأ من فراغ، بل هي نتاج مسار طويل من العلاقات المتوترة بين واشنطن وطهران منذ عقود. كانت ذروة الدبلوماسية هي التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) في عام 2015، والتي هدفت إلى تقييد برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الدولية. لكن هذا المسار تغير جذرياً مع وصول إدارة الرئيس دونالد ترمب، التي انسحبت من الاتفاق في عام 2018، واصفة إياه بأنه “أسوأ صفقة على الإطلاق”، لتبدأ فصلاً جديداً من المواجهة.
من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغط الأقصى
بعد الانسحاب من الاتفاق النووي، تبنت الإدارة الأمريكية سياسة “الضغط الأقصى”، وهي جوهر الاستراتيجية الجديدة. تمثلت هذه السياسة في إعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية وشاملة، لم تستهدف فقط القطاعات الحيوية الإيرانية كالنفط والبنوك، بل امتدت لتشمل أي كيان أو دولة تتعامل مع طهران. الهدف المعلن كان واضحاً: تجفيف موارد النظام الإيراني المالية لإجباره على العودة إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق جديد أكثر شمولاً يعالج برامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي لإيران.
ما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين أمريكيين، بأن الرئيس ترمب أصدر تعليمات بالاستعداد لفرض حصار مطول على إيران، يكشف أن سيناريوهات الحل السريع، سواء دبلوماسياً أو عسكرياً، لم تكن ناضجة. وبدلاً من ذلك، كان الرهان على أن الحصار الاقتصادي الخانق سيؤتي ثماره على المدى الطويل، ويدفع إيران لتقديم تنازلات جوهرية.
أبعاد إستراتيجية ترمب الجديدة وتداعياتها الإقليمية
لم يقتصر تأثير إستراتيجية ترمب الجديدة على الداخل الإيراني، الذي عانى من تدهور اقتصادي حاد وانهيار في قيمة العملة، بل امتد تأثيرها ليزعزع استقرار المنطقة بأكملها. فقد أدت سياسة الضغط الأقصى إلى تصعيد التوترات في ممرات ملاحية حيوية مثل مضيق هرمز، وشهدت المنطقة هجمات على ناقلات نفط ومنشآت حيوية، مما رفع منسوب المخاطر وألقى بظلاله على أسواق الطاقة العالمية. كما عمّقت هذه السياسة الانقسامات الإقليمية، وشجعت سباق تسلح غير معلن، حيث وجدت دول المنطقة نفسها في قلب مواجهة بين وكلاء إيران من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى.
مستقبل غامض: بين الحصار والمفاوضات
يعتقد الخبراء أن الخيارات الأخرى، مثل استئناف القصف أو الانسحاب الكامل من الصراع، كانت تنطوي على مخاطر أكبر من الإبقاء على الحصار. لذلك، بدت استراتيجية “الحصار المطول” الخيار الأقل تكلفة والأكثر واقعية من منظور الإدارة الأمريكية آنذاك. لكنها في المقابل، وضعت المنطقة على حافة الهاوية، حيث إن أي خطأ في الحسابات كان يمكن أن يشعل حرباً واسعة النطاق. لقد نجحت هذه السياسة في خنق الاقتصاد الإيراني، لكنها فشلت في تغيير سلوك النظام أو دفعه لتقديم التنازلات المرجوة، مما ترك الأزمة في حالة من الجمود المحفوف بالمخاطر، وورثت الإدارات اللاحقة تركة ثقيلة من التحديات في الملف الإيراني.


