في خطوة سياسية ودينية تثير الكثير من الجدل، يشارك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوم الثلاثاء القادم في فعالية وطنية كبرى، حيث يظهر ترمب يقرأ الإنجيل علناً عبر رسالة فيديو مسجلة من داخل المكتب البيضاوي. تأتي هذه المشاركة ضمن الفعالية الوطنية التي تحمل اسم «أمريكا تقرأ الكتاب المقدس»، والتي تستمر لمدة أسبوع من 18 إلى 25 أبريل بمشاركة نحو 500 قائد أمريكي. وتتزامن هذه الخطوة مع تصاعد الخلافات الحادة بين الإدارة الأمريكية والبابا ليو الرابع عشر حول سياسات واشنطن تجاه إيران، بالإضافة إلى موجة الغضب التي أعقبت نشر ترمب ثم حذفه لصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تجسده على هيئة السيد المسيح.
الجذور التاريخية: لماذا ترمب يقرأ الإنجيل في هذا التوقيت؟
لفهم السياق العام والخلفية التاريخية لهذا الحدث، يجب النظر إلى العلاقة الوثيقة التي جمعت دونالد ترمب بالقاعدة الإنجيلية المحافظة منذ حملته الانتخابية الأولى في عام 2016. لطالما استخدم ترمب الرموز الدينية لتعزيز مكانته السياسية، ولعل أبرزها وقفته الشهيرة أمام كنيسة القديس يوحنا في عام 2020 حاملاً الكتاب المقدس. واليوم، عندما يقرر أن يشارك في قراءة الكتاب المقدس كاملاً من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا احتفاءً بمرور 250 عاماً على وجود الكتاب المقدس في أمريكا، فإنه يعيد تأكيد التزامه تجاه هذه الشريحة الانتخابية. ومن المقرر أن يتلو ترمب، وفقاً للمنظمين، مقطعاً من سفر أخبار الأيام الثاني (7: 11-22)، وتحديداً الآية 14 التي تحظى بشعبية واسعة بين المحافظين المسيحيين: «فإذا تواضع شعبي الذين دعي اسمي عليهم وصلوا وطلبوا وجهي، ورجعوا عن طرقهم الردية فإنني أسمع من السماء وأغفر خطيتهم وأبرئ أرضهم».
لقد اكتسبت هذه الآية تحديداً رمزية سياسية ودينية خاصة في أوساط مؤيدي ترمب، إذ تلاها كوي غريفين خلال أحداث 6 يناير 2021، وارتبطت أيضاً بتفسير فوز ترمب عام 2016 كاستجابة إلهية لدعوات المؤمنين. وفي هذا السياق، صرحت بوني باوندز، رئيسة منظمة «كريستيانز إنجيد» المشاركة في التنظيم، بأنهم «كانوا بحاجة إلى شخص مميز لقراءة هذا الإصحاح»، ولذا تم تخصيصه للرئيس.
دمج الرموز الدينية في الشؤون الحكومية
منذ عودته إلى البيت الأبيض في عام 2025، شهدت إدارة ترمب دمجاً متزايداً وغير مسبوق للرموز واللغة المسيحية في الشؤون الحكومية اليومية. شمل ذلك طلب تخصيص ساعة أسبوعية للصلاة، ونشر آيات كتابية على الحسابات الرسمية، وإقامة صلوات جماعية في الوكالات الفيدرالية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل تعيينات وقرارات مثيرة للجدل، حيث دعا وزير الدفاع بيت هيغسيث القس دوغلاس ويلسون لإقامة صلاة جماعية في البنتاغون. ويُعرف ويلسون بمواقفه المتشددة التي تدعو لإلغاء حق المرأة في الاقتراع، وتجريم المثلية، وإقامة حكم ديني مسيحي، مما أثار حفيظة العديد من المنظمات الحقوقية والمدنية.
الأهمية والتأثير المتوقع على الساحة المحلية والدولية
تحمل هذه التطورات أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً يمتد من الداخل الأمريكي إلى الساحة الدولية. محلياً، تساهم هذه التحركات في تعميق الاستقطاب السياسي والثقافي في الولايات المتحدة، حيث يرى المؤيدون فيها عودة للقيم التأسيسية، بينما يعتبرها المعارضون تهديداً صريحاً لمبدأ فصل الدين عن الدولة. أما على الصعيد الدولي، فإن توظيف الخطاب الديني يتشابك مع السياسة الخارجية، وهو ما تجلى بوضوح في الجدل الأخير والخلاف الحاد مع البابا ليو الرابع عشر (البابا الأمريكي المولد).
فقد انتقد البابا بشدة التهديدات الأمريكية العسكرية تجاه إيران، واصفاً بعض التصريحات الصادرة عن الإدارة بأنها «غير مقبولة» وتتعارض مع مساعي السلام العالمي. ولم يتأخر رد ترمب، حيث وصف البابا بأنه «ضعيف» و«غير معجب به»، مؤكداً بلهجة حازمة أنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي تحت أي ظرف. من جانبه، رد البابا على هذه التصريحات مؤكداً أنه «لا يخشى إدارة ترمب»، مما ينذر بمرحلة جديدة من التوتر الدبلوماسي والديني بين واشنطن والفاتيكان، ويجعل من استخدام الرموز الدينية أداة سياسية ذات أبعاد جيوسياسية معقدة.


