مع اقتراب الأول من مايو، تتجه أنظار العالم إلى واشنطن، حيث تلوح في الأفق مواجهة دستورية حاسمة بين الرئيس دونالد ترمب والكونغرس الأمريكي. محور هذا الصراع هو قضية جوهرية تتعلق بتحديد من يملك الكلمة الفصل في قرار الحرب والسلام، وتحديداً فيما يخص صلاحيات الحرب ضد إيران. ففي هذا التاريخ، تنتهي مهلة الـ60 يوماً التي يمنحها “قانون صلاحيات الحرب” للرئيس لاستخدام القوة العسكرية دون تفويض تشريعي صريح، مما يضع إدارة ترمب أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الحصول على موافقة الكونغرس لمواصلة أي عمليات عسكرية، أو إنهاؤها والبدء في سحب القوات.
هذا الصدام المرتقب ليس وليد اللحظة، بل هو أحدث فصول الجدل الممتد حول توازن القوى بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في السياسة الخارجية الأمريكية. فالدستور الأمريكي يمنح الكونغرس حصرًا سلطة “إعلان الحرب” (المادة الأولى)، بينما ينصّب الرئيس “قائداً أعلى” للقوات المسلحة (المادة الثانية)، وهو ما خلق منطقة رمادية أثارت نزاعات متكررة عبر التاريخ.
جذور الصراع الدستوري: قانون صلاحيات الحرب
لفهم أبعاد المواجهة الحالية، لا بد من العودة إلى عام 1973، حين أقر الكونغرس “قانون صلاحيات الحرب” متجاوزاً فيتو الرئيس آنذاك ريتشارد نيكسون. جاء هذا التشريع كرد فعل مباشر على التورط الأمريكي طويل الأمد والمثير للجدل في حرب فيتنام، حيث شعر المشرعون أن الرؤساء تجاوزوا سلطاتهم الدستورية بشن حروب غير معلنة. يهدف القانون إلى إعادة تأكيد دور الكونغرس في القرارات العسكرية، حيث يُلزم الرئيس بإبلاغ المشرعين في غضون 48 ساعة من إرسال قوات إلى “أعمال عدائية” أو مناطق قد تتعرض لها. والأهم من ذلك، يفرض القانون سقفاً زمنياً لا يتجاوز 60 يوماً (مع إمكانية تمديده 30 يوماً إضافية لضمان الانسحاب الآمن) لأي عمل عسكري دون موافقة الكونغرس.
تداعيات المواجهة حول صلاحيات الحرب ضد إيران
إن نتيجة هذه المواجهة بين ترمب والكونغرس ستحمل في طياتها تداعيات تتجاوز أروقة واشنطن. على الصعيد المحلي، قد يؤدي تحدي الرئيس للقانون إلى أزمة دستورية عميقة، ويزيد من حدة الاستقطاب السياسي. أما إقليمياً، فإن أي تصعيد عسكري أمريكي ضد إيران، سواء بتفويض أو بدونه، يهدد بإشعال حريق هائل في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني أصلاً من عدم الاستقرار. مثل هذا الصراع قد يجر حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة إلى مواجهة مباشرة، ويؤثر على أمن الممرات الملاحية العالمية، خاصة مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم.
دولياً، يراقب الخصوم والحلفاء على حد سواء كيفية تعامل الديمقراطية الأمريكية مع هذا الاختبار الداخلي. فالقرار لن يؤثر فقط على أسعار الطاقة العالمية والاستقرار الاقتصادي، بل سيرسل أيضاً رسالة حول مدى التزام الولايات المتحدة بالقانون الدولي ومؤسساتها الدستورية. وفي حال قرر الرئيس ترمب المضي قدماً في عملياته العسكرية متجاهلاً الكونغرس، فقد يستغل سابقة الرؤساء السابقين، مثل باراك أوباما في ليبيا عام 2011، بالجدل بأن الضربات الجوية المحدودة أو عمليات الطائرات بدون طيار لا ترقى إلى مستوى “الأعمال العدائية” التي ينص عليها القانون، وهي ثغرة قانونية لطالما استغلتها الإدارات المتعاقبة لتوسيع صلاحياتها التنفيذية في زمن الحرب.


