في مشهد يعكس توتراً غير مسبوق في أروقة الدبلوماسية الغربية، ترمب يهاجم ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، بعبارات حادة تجاوزت الأعراف الدبلوماسية المعتادة بين الحليفين التاريخيين. الانتقادات التي وجهها الرئيس الأمريكي لم تقتصر على التباين في المواقف العسكرية، بل طالت شخصية ستارمر نفسه حين قارنه بونستون تشرشل، الزعيم البريطاني التاريخي، معتبراً أن رئيس الوزراء الحالي يفتقر إلى الحزم الذي ميز حقبة الحرب العالمية الثانية، وذلك على خلفية الموقف البريطاني المتحفظ تجاه المشاركة في الضربات الجوية على إيران.
إرث “العلاقة الخاصة” في مهب الريح
لفهم عمق هذه الأزمة، يجب النظر إلى ما هو أبعد من التصريحات الآنية. لطالما شكلت “العلاقة الخاصة” بين واشنطن ولندن، وهو المصطلح الذي صاغه تشرشل نفسه، حجر الزاوية في النظام الأمني الغربي منذ أربعينيات القرن الماضي. تاريخياً، كانت بريطانيا الشريك الأول للولايات المتحدة في كافة المنعطفات الكبرى، من تحرير أوروبا إلى مواجهة الاتحاد السوفيتي، وصولاً إلى حرب الخليج. إلا أن تصريحات ترمب الأخيرة تشير إلى شرخ في هذا التحالف، حيث يبدو أن الإدارة الأمريكية باتت ترى في التردد البريطاني تخلياً عن دور لندن التقليدي كذراع أيمن للقوة الأمريكية، مما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل التنسيق العسكري بين البلدين في ظل التحديات الجيوسياسية المتصاعدة.
لماذا ترمب يهاجم ستارمر بسبب دييغو غارسيا؟
تتمحور نقطة الخلاف الجوهرية التي فجرت غضب الرئيس الأمريكي حول القيود اللوجستية التي فرضتها حكومة العمال البريطانية. وفقاً لتقارير هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، رفضت لندن السماح للقاذفات الأمريكية باستخدام قاعدة جزيرة “دييغو غارسيا” في المحيط الهندي لشن هجمات هجومية واسعة النطاق، وحصرت الموافقة في العمليات الدفاعية فقط.
هذا القرار أثار حفيظة البيت الأبيض، حيث صرح ترمب للصحفيين بأن هذا الرفض أجبر الطائرات الأمريكية على الطيران لساعات طويلة إضافية للوصول إلى أهدافها، واصفاً الموقف البريطاني بـ “الصادم”. وتعتبر دييغو غارسيا منصة حيوية للعمليات الأمريكية في الشرق الأوسط وآسيا، ويُعد تقييد استخدامها سابقة نادرة تعرقل المرونة العملياتية للجيش الأمريكي.
أشباح غزو العراق والبحث عن الغطاء القانوني
في المقابل، يستند موقف كير ستارمر إلى قراءة مختلفة تماماً للمشهد، متأثرة بذاكرة السياسة البريطانية المثقلة بتبعات غزو العراق عام 2003. يسعى ستارمر لتجنب تكرار أخطاء الماضي، حيث أكد أمام البرلمان أن حكومته “لا تؤمن بتغيير الأنظمة عبر القصف الجوي”، مشدداً على ضرورة وجود أساس قانوني دولي واضح لأي عمل عسكري.
هذا الحذر البريطاني يعكس تحولاً في العقيدة العسكرية للمملكة المتحدة، التي باتت تفضل اتخاذ تدابير احترازية، مثل إرسال المدمرة “إتش إم إس دراغون” لحماية القواعد في قبرص، بدلاً من الانخراط في هجمات استباقية قد تجر البلاد إلى صراع إقليمي مفتوح دون استراتيجية خروج واضحة، وهو ما يفسر الفجوة المتسعة مع النهج الأمريكي الأكثر اندفاعاً.
تداعيات الانقسام على الردع الغربي ضد طهران
يحمل هذا الخلاف العلني دلالات خطيرة تتجاوز العلاقات الثنائية لتؤثر على ميزان القوى في الشرق الأوسط. إن ظهور تباين في الرؤى بين واشنطن ولندن يرسل رسالة ضعف محتملة إلى طهران وحلفائها، مفادها أن الجبهة الغربية ليست موحدة كما كانت في السابق. هذا الانقسام قد يغري الأطراف الإقليمية المناوئة للغرب باختبار حدود الصبر الأمريكي والبريطاني بشكل منفصل.
علاوة على ذلك، فإن توسيع ترمب لدائرة انتقاداته لتشمل السياسات الداخلية لستارمر، وقوله “هذا ليس عصر تشرشل”، قد يدفع بريطانيا للبحث عن تعزيز تعاونها الأمني مع الشركاء الأوروبيين لملء الفراغ الاستراتيجي، مما قد يعيد تشكيل الخارطة الأمنية لحلف الناتو ويقلل من الاعتماد المطلق على القيادة الأمريكية في إدارة أزمات الشرق الأوسط.


