شكلت فترة إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مرحلة فريدة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، حيث برزت شخصيات من خارج السلك الدبلوماسي التقليدي ولعبت أدواراً محورية. في هذا السياق، تبرز مهمة توم باراك، رجل الأعمال البارز والصديق المقرب لترامب، كنموذج للدبلوماسية غير الرسمية التي أثرت بشكل كبير على ملفات معقدة في الشرق الأوسط، وعلى رأسها الملفان السوري والعراقي.
على الرغم من أنه لم يشغل منصباً رسمياً كمبعوث خاص لسوريا، إلا أن نفوذ باراك كان واضحاً في تشكيل التوجهات الأمريكية بالمنطقة. انتهت هذه المهمة غير الرسمية بانتهاء ولاية ترامب، لكن تحليلها يكشف الكثير عن استراتيجية واشنطن في تلك الفترة، والتي اعتمدت على العلاقات الشخصية والصفقات أكثر من البروتوكولات الدبلوماسية المعتادة. وقد أتاح هذا النهج لباراك التحرك بمرونة أكبر، مستفيداً من شبكة علاقاته الواسعة التي بناها على مدار عقود في عالم المال والأعمال بالشرق الأوسط.
دبلوماسية الظل: نفوذ باراك في ملفي سوريا والعراق
تعود جذور التدخل الأمريكي في سوريا والعراق إلى عقود مضت، لكنها اكتسبت تعقيداً خاصاً بعد عام 2011. ففي سوريا، تحول الصراع إلى حرب دولية بالوكالة، شاركت فيها قوى إقليمية وعالمية، بينما كان العراق يسعى جاهداً لتحقيق الاستقرار بعد سنوات من الحرب الطائفية ومواجهة تنظيم “داعش”. في خضم هذا المشهد، اعتمدت إدارة ترامب على شخصيات مثل باراك لفتح قنوات اتصال خلفية مع الحلفاء الإقليميين، خاصة في دول الخليج، التي تعتبر لاعباً رئيسياً في كلا البلدين.
كان يُنظر إلى دمج ملفي سوريا والعراق استراتيجياً على أنه ضرورة، نظراً للترابط الأمني والسياسي بينهما، خصوصاً في ظل التهديد المشترك الذي شكله تنظيم “داعش” والنفوذ الإيراني الممتد عبر حدودهما. ويُعتقد أن باراك، بخبرته الاقتصادية وفهمه لذهنية المنطقة، قدم استشارات مؤثرة للبيت الأبيض حول كيفية التعامل مع هذه التحديات، مركزاً على تحقيق المصالح الأمريكية من منظور اقتصادي وأمني، وهو ما يتماشى مع شعار “أمريكا أولاً” الذي تبنته الإدارة آنذاك.
من هو توم باراك؟ رجل أعمال في قلب مهمة توم باراك الدبلوماسية
وُلد توماس جوزيف باراك عام 1947 في كاليفورنيا لأسرة أمريكية من أصول لبنانية تعود جذورها إلى مدينة زحلة. بعد مسيرة مهنية ناجحة كمحامٍ، أسس شركة “كولوني كابيتال” الاستثمارية العملاقة، التي أدارت أصولاً بمليارات الدولارات حول العالم. لم يكن باراك غريباً عن السياسة، حيث عمل في إدارة الرئيس رونالد ريغان، لكن علاقته الوثيقة بدونالد ترامب هي التي وضعته في قلب صنع القرار بالسياسة الخارجية.
بصفته رئيس لجنة تنصيب ترامب الرئاسية وأحد كبار مستشاريه غير الرسميين، كان لباراك وصول مباشر إلى الرئيس، مما منحه تأثيراً يفوق تأثير العديد من المسؤولين الرسميين. وقد استغل هذا القرب لتقديم رؤيته حول قضايا الشرق الأوسط، مستفيداً من فهمه العميق للثقافة العربية وعلاقاته الشخصية مع قادة ومسؤولين في المنطقة. هذا المزيج الفريد من الخبرة المالية والجذور الشرق أوسطية والعلاقات السياسية جعل من “مهمة توم باراك” حالة خاصة في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية الحديثة، وأبرز التحول نحو الاعتماد على شخصيات قادرة على تجاوز المسارات التقليدية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية.


