احتضنت العاصمة السعودية الرياض، اليوم الأربعاء، فعاليات الاجتماع الصحي الثالث لليمن، بمشاركة واسعة شملت أكثر من 20 ممثلاً عن الجهات المانحة والمنظمات الأممية والدولية. يأتي هذا الحدث البارز بتنسيق مشترك وعالي المستوى بين البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، ووزارة الخارجية والتنمية البريطانية، ووزارة الصحة العامة والسكان اليمنية. ويهدف هذا التجمع الدولي إلى ردم الفجوات التمويلية الحادة ورسم خريطة طريق واضحة لانتشال القطاع الصحي اليمني من أزماته المتلاحقة وتخفيف معاناة المواطنين.
السياق التاريخي والتحديات قبل الاجتماع الصحي الثالث لليمن
لم يأتِ انعقاد الاجتماع الصحي الثالث لليمن من فراغ، بل جاء استجابة لواقع تاريخي وإنساني معقد يعيشه اليمن منذ اندلاع الأزمة وتصاعد الصراع في عام 2014. لقد أدت الظروف الاستثنائية المستمرة إلى تدمير جزء كبير من البنية التحتية الأساسية، وكان القطاع الطبي هو الأكثر تضرراً. فقد خرجت نسبة كبيرة من المرافق الطبية عن الخدمة، مما أدى إلى تفشي الأوبئة والأمراض التي كان من الممكن الوقاية منها. وفي هذا السياق، كشف وزير الصحة اليمني، الدكتور قاسم بحيبح، عن تحديات جسيمة تواجه القطاع، أبرزها الانخفاض الحاد في التمويلات الدولية بنسبة بلغت 66% مقارنة بالاحتياجات الفعلية على الأرض، وذلك في وقت حرج يحتاج فيه نحو 18 مليون مواطن يمني إلى خدمات طبية عاجلة وملحة لضمان بقائهم على قيد الحياة.
حزمة مشاريع سعودية والتزام بريطاني لدعم الرعاية الأولية
خلال الجلسات، أوضح المشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، السفير محمد آل جابر، أن القطاع الطبي يمثل عموداً فقرياً في إستراتيجية البرنامج التنموية. وأعلن عن قرب بدء تشغيل «مدينة الملك سلمان الطبية والتعليمية» في محافظة المهرة، والتي تعد صرحاً طبياً متكاملاً. كما كشف السفير آل جابر عن حزمة مشاريع كبرى قادمة تشمل إنشاء وتجهيز مستشفى حضرموت الجامعي، ومستشفى العين الريفي في تعز، ومستشفى الضالع الريفي، بالإضافة إلى مراكز تخصصية للأمومة والطوارئ. من جانبها، أعلنت سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن، عبدة شريف، عن تخصيص 25 مليون جنيه إسترليني لدعم الرعاية الأولية، مع التركيز بشكل خاص على الفئات الأكثر احتياجاً من النساء والأطفال، مشيدة بالدور المحوري الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في إرساء دعائم الاستقرار في المنطقة.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير المتوقع للقرارات الجديدة
يحمل هذا الحراك الدولي أهمية استراتيجية بالغة تتجاوز الحدود المحلية لليمن. فعلى الصعيد المحلي، ستسهم هذه التمويلات والمشاريع في إنقاذ أرواح الملايين وتوفير رعاية طبية مستدامة. أما إقليمياً ودولياً، فإن تعافي المنظومة الطبية اليمنية يمنع انتقال الأوبئة العابرة للحدود ويعزز من الأمن الصحي الإقليمي. وقد ثمن الوزير بحيبح الدعم السخي الذي تقدمه المملكة، مؤكداً أن السعودية هي السند الحقيقي لليمن في كافة الظروف. وأشار إلى أن الحكومة اليمنية ماضية بقوة في تعزيز «الحوكمة والشفافية» عبر الإستراتيجية الوطنية للصحة (2026-2030)، وتفعيل «صندوق الصحة» الذي أُنشئ بقرار رئاسي مطلع العام الحالي، ليكون رافداً تمويلياً يضمن كفاءة الإنفاق ووصول الخدمة لمستحقيها الفعليين.
أرقام ومنجزات تعكس عمق الشراكة التنموية
يُشار إلى أن هذا الدعم المتجدد يأتي امتداداً لسجل حافل بالمنجزات للبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. فقد نجح البرنامج حتى الآن في تنفيذ 50 مشروعاً ومبادرة في القطاع الطبي وحده، طالت 30 منشأة طبية في 13 محافظة يمنية. وتندرج هذه الجهود ضمن مظلة تنموية شاملة تضم 287 مشروعاً في مختلف القطاعات الحيوية مثل التعليم، والطاقة، والنقل، والمياه، والزراعة. لتؤكد المملكة العربية السعودية مجدداً، بالأفعال والأرقام، أنها الداعم الأكبر والمحرك الأساسي لاستقرار اليمن وازدهاره، سعياً نحو مستقبل أفضل للشعب اليمني الشقيق.


