أصدرت المحكمة الإدارية في العاصمة السعودية الرياض حكماً قضائياً حاسماً يقضي بتأييد قرار صادر عن إحدى الجهات الحكومية، والذي ينص على إنهاء خدمة موظف حكومي لديها. جاء هذا القرار الحازم بعد أن ثبت بالأدلة القاطعة قيام الموظف المذكور بالتوقيع بشكل يومي في سجلات الحضور والانصراف الرسمية، ثم مغادرة مقر العمل فوراً دون أداء أي من مهامه الوظيفية الموكلة إليه. وقد اعتبرت المحكمة هذا التصرف بمثابة انقطاع فعلي وغير مبرر عن العمل، مؤكدة على مشروعية قرار جهة الإدارة ومطابقته التامة للأنظمة والقوانين المعمول بها في المملكة.
الإطار النظامي والتاريخي لقوانين الخدمة المدنية
تستند قرارات إنهاء الخدمة في القطاع العام إلى تاريخ طويل من التشريعات الإدارية التي تهدف إلى حماية المال العام وضمان سير المرفق العام بانتظام واطراد. تاريخياً، وضع نظام الخدمة المدنية ولوائحه التنفيذية أطراً صارمة لضبط التزام الموظفين بأوقات العمل الرسمي. وقد تطورت هذه الأنظمة مع مرور الوقت لتشمل آليات دقيقة للرقابة، بدءاً من السجلات الورقية وصولاً إلى الأنظمة البيومترية الحديثة. ومع ذلك، فإن العبرة في الفقه الإداري السعودي لم تكن يوماً بمجرد إثبات التواجد الشكلي، بل بالإنتاجية وأداء المهام. وقد نشر ديوان المظالم عبر منصاته الرقمية ملخصاً لهذا الحكم ضمن مدوناته القضائية، ليكون مرجعاً قانونياً يوضح أن مناط الحضور الوظيفي هو أداء العمل فعلياً، وليس مجرد إثبات الحضور بالتوقيع.
تفاصيل الدعوى ورفض التعويض
تتلخص وقائع هذه الدعوى الإدارية في تقدم الموظف المفصول بدعوى رسمية أمام المحكمة الإدارية بالرياض، مطالباً فيها بإلزام المدعى عليها (الجهة الحكومية التي كان يعمل بها) بتعويضه مادياً عن الأضرار التي زعم أنها لحقت به نتيجة قرار الفصل. واستندت الجهة الحكومية في قرارها إلى إثبات قيام المدعي بالتوقيع في سجل الحضور والانصراف ثم المغادرة مباشرة دون أداء أي مهام لمدة شهر كامل. ورغم إقرار المدعي بصحة هذا التصرف، إلا أنه حاول الدفع بأن ذلك لا يُعد انقطاعاً قانونياً عن العمل طالما أنه قام بالتوقيع. وبعد دراسة مستفيضة، قررت الدائرة القضائية رفض الدعوى والمصادقة على قرار الجهة الإدارية، نافية وجود أي تعسف أو خطأ من جانب الإدارة.
تأثير الحكم على إجراءات إنهاء خدمة موظف حكومي مستقبلاً
يحمل هذا الحكم القضائي أهمية كبرى وتأثيراً بالغاً على بيئة العمل في القطاع العام، حيث يضع معياراً واضحاً لضوابط إنهاء خدمة موظف حكومي في حالات التلاعب بأوقات الدوام. على الصعيد المحلي، يرسل هذا الحكم رسالة حازمة لجميع العاملين في الأجهزة الحكومية بأن التحايل على أنظمة الحضور والانصراف لن يمر دون مساءلة، وأن التواجد الفعلي والإنتاجية هما المعياران الأساسيان لاستمرار العلاقة الوظيفية. كما يساهم هذا التوجه في رفع كفاءة الأداء الحكومي تماشياً مع مستهدفات التنمية الإدارية الشاملة.
وشدد الحكم، الذي تم توثيقه ضمن مجموعة المبادئ والأحكام في البوابة الرقمية لديوان المظالم، على جواز فصل الموظف إذا انقطع عن عمله دون عذر مشروع لمدة 15 يوماً متصلة أو 30 يوماً متفرقة خلال السنة. وأكدت المحكمة أن حضور المدعي لمجرد التوقيع ثم الانصراف يُعد في حقيقته انقطاعاً كاملاً عن العمل، مما يجعل قرار طيه قيده متفقاً تماماً مع أحكام النظام، وينتفي معه أي خطأ يوجب التعويض. هذا المبدأ القضائي يعزز من قيم النزاهة والشفافية، ويحمي الوظيفة العامة من الممارسات غير المسؤولة.


