نهاية رحلة الهروب الطويلة
في عملية أمنية وُصفت بـ”المحكمة”، أسدلت وزارة الداخلية السورية الستار على واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها البلاد، معلنةً يوم الجمعة عن إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في ارتكاب مجزرة التضامن المروعة جنوب دمشق عام 2013. ويأتي هذا الإعلان ليضع نهاية لسنوات من المطاردة والترقب، ويفتح الباب أمام تحقيق العدالة لضحايا تلك الفاجعة التي هزت الضمير الإنساني.
وأكد وزير الداخلية أنس خطاب، عبر منصة “إكس”، أن “المجرم أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن، بات في قبضتنا بعد عملية أمنية محكمة”. وأوضح المتحدث باسم الوزارة، نور الدين البابا، أن القبض عليه جاء بعد أشهر من الرصد والمتابعة الأمنية المكثفة، مشيراً إلى أن المتهم سيُحال إلى القضاء المختص لينال جزاءه وفقاً للإجراءات القانونية.
مجزرة التضامن: جرح غائر في ذاكرة السوريين
وقعت مجزرة التضامن في 16 أبريل 2013، في خضم الصراع السوري، لكن تفاصيلها المروعة لم تظهر للعالم إلا بعد تسع سنوات، وتحديداً في عام 2022، عندما نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية مقطع فيديو مسرباً يصوّر وقائعها. أظهر الفيديو، الذي يُعتقد أنه سُرب من حاسوب محمول لأحد عناصر المخابرات، مشاهد صادمة لعمليات إعدام جماعية بحق عشرات المدنيين العُزّل.
ووثق المقطع قيام عناصر يرتدون الزي العسكري، من بينهم أمجد يوسف الذي تم التعرف عليه لاحقاً، باقتياد الضحايا معصوبي الأعين إلى حفرة أُعدت مسبقاً، ثم إطلاق النار عليهم بدم بارد وإلقاء جثثهم فوق بعضها. ولم تكتفِ العناصر بذلك، بل عمدت إلى إحراق الجثث باستخدام إطارات السيارات والبنزين في محاولة لإخفاء معالم الجريمة. أثارت هذه المشاهد الوحشية صدمة واستنكاراً على المستويين المحلي والدولي، وأصبحت رمزاً للفظائع التي ارتكبت خلال سنوات النزاع.
جهود مضنية لكشف الحقيقة
لعب التحقيق الاستقصائي الذي قاده الباحثان، البروفيسور أوغور أوميت أونغور والباحثة عنصار شحود، دوراً حاسماً في كشف هوية الجاني الرئيسي. على مدى سنوات، عملا على تحليل الفيديو والتواصل مع مصادر داخل سوريا، حتى تمكنا من تحديد هوية أمجد يوسف. وتطلب الأمر إنشاء شخصية وهمية على فيسبوك للتواصل معه وكسب ثقته، مما أدى في النهاية إلى اعترافه الضمني بوجوده في مكان الجريمة.
بعد سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، وُضع اسم أمجد يوسف على رأس قائمة المطلوبين للعدالة. كثفت الأجهزة الأمنية الجديدة جهودها لتعقبه، حيث أفادت المعلومات الأولية بتنقله بين عدة مناطق للاختباء. وبعد ورود معلومات دقيقة حول مكان تواجده المحتمل في قرية نبع الطيب بريف حماة، تم وضع خطة أمنية من ثلاثة أطواق لمنع فراره، وتكللت العملية بالنجاح بإلقاء القبض عليه رغم محاولته المقاومة.
خطوة نحو العدالة والمصالحة
يمثل القبض على أمجد يوسف أهمية رمزية وقانونية كبيرة في سوريا ما بعد الصراع. فهو لا يعد مجرد اعتقال لمجرم حرب، بل رسالة قوية بأن عهد الإفلات من العقاب قد ولى، وأن العدالة ستطال كل من تورط في إراقة دماء السوريين. وينظر الكثيرون إلى هذه الخطوة باعتبارها بداية لمسار طويل من المحاسبة والعدالة الانتقالية، وهو شرط أساسي لتحقيق أي مصالحة وطنية حقيقية وبناء مستقبل جديد لسوريا يقوم على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.


