في خطوة سياسية بارزة، استخدم عمدة مدينة نيويورك، إريك آدامز، حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قانون مثير للجدل كان يهدف إلى تقييد التظاهرات، بما في ذلك الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين، بالقرب من المؤسسات التعليمية. يأتي هذا القرار في خضم توترات متصاعدة وحراك طلابي واسع النطاق في الجامعات الأمريكية، ليؤكد على أهمية حماية حرية التعبير التي يكفلها الدستور.
وكان مجلس مدينة نيويورك قد أقر مشروع القانون في 26 مارس الماضي بأغلبية 30 صوتاً مقابل 19، وذلك على خلفية الاحتجاجات الطلابية الواسعة التي شهدتها جامعات كبرى مثل جامعة كولومبيا، تنديداً بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. وقد صُمم القانون لمنح شرطة نيويورك سلطة إنشاء “مناطق عازلة” أو “محيطات أمنية” حول المدارس والجامعات، وهي خطوة اعتبرها المدافعون عن الحريات المدنية محاولة مباشرة لإسكات الأصوات المعارضة للسياسات الإسرائيلية.
خلفيات القرار وتصاعد الحراك الطلابي
لم يأتِ مشروع القانون من فراغ، بل كان نتاجاً مباشراً للمشهد السياسي والاجتماعي الذي تشكل في الولايات المتحدة منذ أكتوبر 2023. فقد تحولت الجامعات الأمريكية إلى ساحات رئيسية للنقاش والاحتجاج حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. بدأت هذه الحركة باعتصامات ومخيمات طلابية في جامعة كولومبيا، سرعان ما امتدت شرارتها إلى عشرات الجامعات الأخرى في جميع أنحاء البلاد، مطالبةً إدارات الجامعات بسحب استثماراتها من الشركات الداعمة لإسرائيل ووقف التعاون الأكاديمي معها. هذا الحراك غير المسبوق وضع السلطات المحلية والجامعية أمام تحدٍ كبير بين ضمان أمن الحرم الجامعي وحماية الحق في التظاهر السلمي.
فيتو العمدة: انتصار لحرية التعبير أم مخاطرة أمنية؟
في بيان رسمي مصحوب بفيديو، أعلن العمدة آدامز رفضه التوقيع على القانون، واصفاً نصه بأنه “واسع جداً ومقلق دستورياً”. وأوضح أن القانون بصيغته الحالية يمكن أن يُستخدم بشكل تعسفي لتقييد حق المواطنين والطلاب في التظاهر السلمي لأي قضية، سواء كانت تتعلق بالحقوق الفلسطينية، أو المطالبة بسحب الاستثمارات من الوقود الأحفوري، أو حتى احتجاجات العمال. وأضاف آدامز: “هذا القانون لا يقتصر على ضمان الأمن، بل يمس جوهر حرية التعبير المكفولة في التعديل الأول للدستور الأمريكي”. وأشار إلى أن تعريف “المؤسسة التعليمية” في القانون كان فضفاضاً للغاية، حيث شمل الجامعات والمدارس والمتاحف والمستشفيات التعليمية، مما يفتح الباب أمام تقييد واسع للاحتجاجات المدنية في الأماكن العامة.
وقد قوبل قرار الفيتو بترحيب واسع من قبل منظمات الحريات المدنية، مثل اتحاد الحريات المدنية في نيويورك (NYCLU)، والعديد من النقابات العمالية والمنظمات التقدمية التي اعتبرته انتصاراً للديمقراطية. في المقابل، واجه القرار انتقادات حادة من بعض المنظمات اليهودية ومؤيدي مشروع القانون، الذين رأوا في الفيتو “فشلاً في حماية سلامة الطلاب والسكان”، خاصة في ظل ما وصفوه بـ”تصاعد معاداة السامية” المرتبطة ببعض الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين. ويبقى هذا القرار نقطة تحول هامة في النقاش الدائر حول حدود حرية التعبير في الفضاء العام، وتأثيره سيمتد إلى كيفية تعامل مدن أخرى مع الحراك المتنامي الداعم للقضية الفلسطينية.


