في تطور مفاجئ يعصف بصفوف المعارضة التركية، شهد حزب الشعب الجمهوري، أكبر وأقدم أحزابها، انقساماً واسعاً بعد إعلان رئيسه السابق أوزغور أوزيل استقالته وتأسيس حزب سياسي جديد. وانضم إلى أوزيل 91 نائباً برلمانياً من أصل 135، في خطوة دراماتيكية من شأنها أن تعيد رسم الخريطة السياسية في تركيا وتلقي بظلالها على مستقبل القوى المناوئة لحزب العدالة والتنمية الحاكم.
زلزال سياسي يعيد تشكيل موازين القوى
يمثل هذا الانشقاق ضربة قوية لحزب الشعب الجمهوري، الذي تأسس على يد مصطفى كمال أتاتورك. فمع مغادرة 91 نائباً، من المتوقع أن يتقلص تمثيل الحزب في البرلمان التركي إلى حوالي 44 نائباً فقط، مما يفقده مكانته كثاني أكبر كتلة برلمانية ويهوي به إلى المرتبة الخامسة. هذا التراجع الكبير لا يضعف الحزب فحسب، بل يشتت أصوات المعارضة ويزيد من تعقيد المشهد السياسي، وهو ما قد يصب في مصلحة التحالف الحاكم بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، حيث أن تفتيت المعارضة يسهل تاريخياً مهمة الحزب الأكبر في الهيمنة على الساحة.
جذور الأزمة وتصدعات إرث أتاتورك
لم تكن هذه الأزمة وليدة اللحظة، بل هي تتويج لصراعات داخلية عميقة وخلافات إيديولوجية شهدها الحزب خلال السنوات الأخيرة حول هويته وتوجهاته المستقبلية. ويُعد حزب الشعب الجمهوري تاريخياً الحصن العلماني للجمهورية التركية، إلا أن النقاشات حول كيفية تحديث مبادئه والتواصل مع شرائح أوسع من المجتمع التركي المحافظ أدت إلى استقطابات حادة. وجاء قرار المحكمة الأخير بإلغاء رئاسة أوزيل للحزب ليكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ودفعت الجناح المنشق إلى اتخاذ خطوة الانفصال النهائية وتأسيس كيان سياسي جديد يرى أنه أكثر قدرة على مواكبة تطلعات الشارع التركي.
تداعيات الانقسام على مستقبل المعارضة التركية
يراقب المحللون عن كثب التداعيات المحتملة لهذا الانقسام على الساحة السياسية. فمن جهة، قد يؤدي إلى إضعاف جبهة المعارضة التركية الموحدة التي حققت نجاحات لافتة في الانتخابات المحلية الأخيرة، خاصة في مدن كبرى مثل إسطنبول وأنقرة. ومن جهة أخرى، يرى البعض أن هذه الخطوة قد تكون صحية على المدى الطويل، حيث تسمح بظهور رؤى وبرامج جديدة قادرة على جذب الناخبين الذين لم يجدوا ضالتهم في الخطاب التقليدي لحزب الشعب الجمهوري. يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان الحزب الجديد بقيادة أوزيل سيتمكن من بناء قاعدة شعبية حقيقية أم أنه سيؤدي فقط إلى تفتيت أصوات المعارضة، مما يسهل مهمة التحالف الحاكم في الاستحقاقات الانتخابية القادمة.
وأعلن أوزيل في كلمة له أمام الكتلة البرلمانية عزمه على تأسيس الحزب الجديد، قائلاً: ‘نتحد اليوم مع أعضاء البرلمان، ونؤسس حزبنا الجديد بالخطوة الأولى مع أعضاء البرلمان المنتخبين من قبل الشعب’. وقد تم توثيق لحظة توقيعه على وثائق التأسيس، معلقاً: ‘نسأل الله أن يكون ذلك خيراً للبلاد والأمة وحزبنا ولنا جميعاً’. ومن المتوقع تقديم الأوراق الرسمية إلى وزارة الداخلية قريباً لاستكمال الإجراءات القانونية.


