كشفت دراسة سعودية حديثة عن تحول لافت في الأوساط الأكاديمية والصحية، حيث أظهرت أن طلاب الطب يتبنون أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث الطبي بوتيرة أسرع بكثير من الأطباء الممارسين، مما يشير إلى فجوة رقمية بين الأجيال قد تعيد تشكيل مستقبل الرعاية الصحية والبحث العلمي في المملكة.
يأتي هذا التطور في سياق الثورة العالمية التي أحدثتها نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل ChatGPT، منذ ظهورها أواخر عام 2022. هذه التقنيات لم تعد مجرد أدوات مساعدة، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من منظومة العمل في العديد من القطاعات، وعلى رأسها القطاع الطبي الذي يعتمد بشكل كبير على تحليل البيانات الضخمة وتسريع وتيرة الاكتشافات العلمية، مما يمهد الطريق لتطبيقات مبتكرة في التشخيص والعلاج والبحث.
الذكاء الاصطناعي في البحث الطبي: سباق بين جيلين
وفقاً للدراسة التي نُشرت في “المجلة الدولية للمعلوماتية الطبية”، فإن 73% من طلاب الطب يستخدمون الذكاء الاصطناعي لأغراض البحث العلمي، مقارنة بنسبة 59% فقط بين الأطباء. وأوضحت النتائج أن 95% من الطلاب قد استخدموا منصة “ChatGPT” تحديداً، مقابل 81% من الأطباء. هذا التفوق لا يقتصر على معدلات الاستخدام العامة، بل يمتد إلى طبيعة المهام؛ حيث يميل الطلاب لاستخدام هذه الأدوات لتلخيص المعلومات واستخلاص النقاط الرئيسية (75%)، بينما يركز الأطباء بشكل أكبر على توظيفها في الكتابة الأكاديمية وصياغة الأوراق البحثية (81%). يعكس هذا التباين اختلافاً في الأولويات والخبرات؛ فالطلاب، باعتبارهم جيلاً نشأ في بيئة رقمية، يرون في الذكاء الاصطناعي أداة فعالة لتوفير الوقت وتبسيط المفاهيم المعقدة. في المقابل، يتعامل الأطباء مع هذه التقنيات بحذر أكبر، مدفوعين بمسؤولياتهم المهنية ومخاوفهم المشروعة حيال دقة المعلومات وسرية بيانات المرضى.
فرص واعدة وتحديات أخلاقية
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل توجه المملكة نحو التحول الرقمي ضمن مستهدفات رؤية 2030، حيث يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كمحرك أساسي لتطوير قطاع الرعاية الصحية. فالقدرة على تسريع الأبحاث وتحسين جودة العمل العلمي تمثل فرصة هائلة. ومع ذلك، أبرزت الدراسة مجموعة من التحديات التي لا يمكن تجاهلها. فقد أعرب 73% من الأطباء عن قلقهم بشأن خصوصية البيانات عند استخدام منصات خارجية، وهو هاجس أساسي في الممارسة الطبية. على الجانب الآخر، كان التحدي الأكبر بالنسبة لـ 77% من الطلاب هو ضمان دقة وموثوقية المخرجات التي تقدمها هذه الأنظمة.
وخلص الباحثون، الذين أجروا مسحهم على 417 مشاركاً من أطباء وطلاب في كبرى المستشفيات والجامعات السعودية، إلى أن التبني المتسارع لهذه التقنيات يستدعي تحركاً تنظيمياً وأكاديمياً. فهناك حاجة ملحة لوضع سياسات واضحة داخل المؤسسات الصحية والتعليمية، بالإضافة إلى تصميم برامج تدريبية متخصصة تضمن الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي. إن الهدف ليس فقط مواكبة التطور التقني، بل تسخيره لخدمة العلم والمرضى مع الحفاظ على النزاهة العلمية وأمن المعلومات.


