في خطوة تنظيمية هامة تهدف إلى تعزيز المنظومة الدفاعية الرقمية للمملكة، أقرت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني قواعد جديدة تسمح بتلقي بلاغات الأمن السيبراني من مجهولي الهوية. هذا التحديث يفتح الباب أمام الأفراد للمساهمة في الكشف عن المخالفات والتهديدات الرقمية دون الكشف عن هوياتهم، مع وضع إطار واضح للمكافآت المالية التي تقتصر على المُبلِّغين الذين يفصحون عن بياناتهم وتؤدي معلوماتهم إلى نتائج ملموسة.
تطور استراتيجي لأمن الفضاء الرقمي السعودي
يأتي هذا القرار في سياق الجهود الحثيثة التي تبذلها المملكة العربية السعودية لتأمين فضائها السيبراني، والذي يعد ركيزة أساسية في تحقيق مستهدفات رؤية 2030. فمع التوسع الهائل في التحول الرقمي الذي تشهده كافة القطاعات الحكومية والخاصة، ازدادت وتيرة التهديدات السيبرانية وتعقدت أساليبها، مما استدعى تطوير آليات استباقية لمواجهتها. تأسست الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في عام 2017 كجهة مرجعية عليا في هذا المجال، وتعمل منذ ذلك الحين على بناء بنية تحتية دفاعية متينة، ووضع السياسات والتشريعات التي تضمن حماية الشبكات والأنظمة والبيانات الوطنية. وتعتبر هذه القواعد الجديدة امتداداً لهذه الجهود، حيث تهدف إلى إشراك المجتمع في منظومة الدفاع، وتحويل كل فرد إلى خط دفاع إضافي قادر على الإبلاغ عن أي نشاط مشبوه.
آلية تقديم بلاغات الأمن السيبراني وشروط المكافآت
وفقاً للقواعد المعتمدة، تستقبل الهيئة البلاغات عبر موقعها الإلكتروني الرسمي أو أي وسيلة أخرى تحددها لاحقاً. وفي حين أن تقديم البلاغ بشكل مجهول الهوية متاح للجميع، فإن الحصول على المكافأة المالية يتطلب الإفصاح عن هوية المُبلِّغ. وقد وضعت الهيئة ثمانية شروط جوهرية لاستحقاق المكافأة التي يصل سقفها إلى 50 ألف ريال، أبرزها أن يتم إثبات المخالفة بحكم قضائي نهائي، وأن يكون للبلاغ دور فعال ومباشر في كشفها وإثباتها. كما يُشترط أن يكون المُبلِّغ شخصاً طبيعياً، وألا يكون من منسوبي الهيئة أو أقاربهم حتى الدرجة الرابعة، لضمان النزاهة والشفافية. ومن الشروط الهامة أيضاً أن تكون المعلومات المُقدَّمة قد تم الحصول عليها بوسائل مشروعة، دون اختراق أو دخول غير نظامي إلى الأنظمة، وألا تكون المخالفة قد تم الإبلاغ عنها مسبقاً.
الموازنة بين تشجيع الإبلاغ ومنع البلاغات الكيدية
تعكس هذه القواعد الجديدة فلسفة متوازنة تسعى من خلالها الهيئة إلى تحقيق هدفين رئيسيين: الأول هو تشجيع الأفراد على الإبلاغ عن أي تهديدات محتملة عبر توفير خيار عدم الكشف عن الهوية، مما يزيل حاجز الخوف أو التردد. أما الهدف الثاني، فهو ضمان جديّة ومصداقية البلاغات المقدمة للحصول على مكافآت، وذلك من خلال ربطها بشروط صارمة. وفي هذا الإطار، شددت اللوائح على أن الهيئة ستتخذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة ضد أصحاب البلاغات الكيدية أو غير الصحيحة، وإحالتهم إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات النظامية بحقهم، مما يضمن عدم استغلال هذه الآلية بشكل سلبي ويحافظ على تركيز الموارد على التهديدات الحقيقية.


