من العشوائية إلى التنظيم: فصل جديد في التجارة الحضرية
في خطوة تنظيمية هامة تعكس التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المملكة، أعلنت وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان عن اعتماد مسمى التاجر المتنقل بشكل رسمي، ليحل بديلاً عن مصطلح “البائع الجائل” الذي ارتبط طويلاً بممارسات غير منظمة. تأتي هذه المبادرة ضمن حزمة من الاشتراطات المحدثة التي تهدف إلى تنظيم هذا النشاط الحيوي، وتعزيز المشهد الحضري في المدن السعودية، وتمكين الممارسين له من العمل في بيئة نظامية ومحفزة تدعم ريادة الأعمال والاستثمارات متناهية الصغر، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
تاريخياً، شكل البيع الجائل جزءاً من النسيج الاقتصادي غير الرسمي في العديد من مدن العالم، بما في ذلك المملكة. ورغم أنه كان يوفر مصدر دخل للكثيرين، إلا أنه ارتبط بتحديات تنظيمية وبيئية، مثل التأثير على انسيابية الحركة، والتشوه البصري، وصعوبة الرقابة على جودة المنتجات وسلامتها. اليوم، تسعى المملكة من خلال هذه اللوائح الجديدة إلى تحويل هذا القطاع من اقتصاد الظل إلى جزء معترف به ومُنظم ضمن الاقتصاد الوطني، مما يفتح آفاقاً جديدة للمواطنين ويحسن من جودة الحياة للسكان والزوار على حد سواء.
ماذا تعني لائحة ‘التاجر المتنقل’ الجديدة؟
لا يقتصر التحديث الجديد على تغيير المسمى فقط، بل يمثل انتقالاً واضحاً نحو نموذج عمل أكثر تكاملاً ومرونة. فوفقاً للوزارة، شملت التحديثات تطوير التعريفات وتوسيع نطاق الأنشطة المسموح بها، والأهم من ذلك هو ربط الترخيص بصاحب النشاط نفسه بدلاً من ربطه بموقع محدد. يمنح هذا التغيير التاجر المتنقل مرونة أكبر في اختيار أماكن ممارسة نشاطه وفقاً للضوابط المحددة، مما يعزز من فرص نجاح مشروعه. كما تم تعزيز المتطلبات التشغيلية والفنية، لتشمل معايير واضحة للسلامة والنظافة، وإلزامية توفير وسائل الدفع الإلكتروني، الأمر الذي يواكب التوجه الوطني نحو التحول الرقمي ويحسن من تجربة المستفيدين.
وأكدت الوزارة أن تطوير هذه الاشتراطات جاء بعد دراسة مستفيضة لمرئيات الأمانات والبلديات في مختلف المناطق، مما ساهم في بناء إطار تنظيمي دقيق يعالج التحديات القائمة، ويستجيب لمتطلبات السوق الحالية والمستقبلية. الهدف هو رفع كفاءة تنظيم النشاط لتعظيم أثره الاقتصادي والتنظيمي والحضري.
أبعاد اقتصادية واجتماعية تتجاوز تغيير المسمى
إن اعتماد المسمى الجديد يعكس تحولاً في النظرة إلى هذا النشاط، من كونه مفهوماً تقليدياً مرتبطاً بالعشوائية، إلى نشاط اقتصادي منظم يحمل بعداً مهنياً واستثمارياً. أوضحت المشرف العام على فريق دعم وتطوير وتمكين “التاجر المتنقل”، الأميرة نجود بنت هذلول، أن هذه الخطوة تساهم في تمكين الأفراد وتعزيز مشاركتهم الفاعلة في الاقتصاد الحضري. فعلى الصعيد المحلي، ستوفر هذه التنظيمات بيئة عمل آمنة ومنظمة للشباب السعودي وأصحاب المشاريع الصغيرة، وتشجع على الابتكار في تقديم المنتجات والخدمات، مثل عربات الطعام الحديثة (فود ترك) والأكشاك المتنقلة لبيع المنتجات الحرفية. أما على المستوى الاقتصادي الأوسع، فإن تنظيم هذا القطاع يساهم في زيادة الناتج المحلي، ويوفر بيانات دقيقة حول حجمه، ويدعم جهود الدولة في خلق فرص عمل متنوعة ومستدامة.


