في خطوة تاريخية تشكل منعطفاً في مسار سوريا الحديث، عقد القضاء السوري في دمشق أولى جلسات ما يعرف بـ”العدالة الانتقالية”، والتي استُهلت بإجراءات بدء محاكمة الأسد غيابياً، في إشارة إلى الرئيس المخلوع بشار الأسد، إلى جانب شقيقه ماهر وعدد من أبرز أركان نظامه الأمني والعسكري. وتمثل هذه المحاكمات، التي طال انتظارها، بداية لمسار قضائي معقد يهدف إلى محاسبة المسؤولين عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم حرب ارتُكبت على مدى عقود، وبلغت ذروتها خلال سنوات الثورة التي اندلعت في عام 2011.
الجلسة الأولى، التي عُقدت في قصر العدل بدمشق، شهدت حضوراً لافتاً للمتهم عاطف نجيب، المسؤول الأمني السابق وقريب بشار الأسد، الذي مثل مكبل اليدين أمام هيئة المحكمة. ويُعتبر نجيب شخصية محورية في إشعال فتيل الاحتجاجات الشعبية، حيث كان يشغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا عندما اندلعت شرارة الثورة عام 2011، على خلفية اعتقال وتعذيب أطفال كتبوا شعارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم، وهو ما فجّر غضباً شعبياً عارماً لم يهدأ إلا بسقوط النظام في ديسمبر 2024.
فصل جديد في تاريخ سوريا: العدالة تبحث عن طريقها
تأتي هذه المحاكمات في سياق تحول سياسي جذري شهدته سوريا بعد انهيار حكم عائلة الأسد الذي دام أكثر من خمسة عقود. فبعد فرار بشار الأسد إلى روسيا، تسلمت حكومة انتقالية إدارة شؤون البلاد، واضعةً على رأس أولوياتها ملف العدالة والمصالحة الوطنية. إن بدء هذه الإجراءات القضائية لا يمثل مجرد محاولة لتحقيق العدالة للضحايا وعائلاتهم، بل هو أيضاً رسالة سياسية قوية بأن عهد الإفلات من العقاب قد ولى، وأن بناء دولة القانون والمؤسسات هو أساس المرحلة المقبلة. وينظر ملايين السوريين، في الداخل والخارج، إلى هذه المحاكمات بأمل كبير في كشف حقيقة ما جرى، ومعرفة مصير عشرات الآلاف من المفقودين والمعتقلين قسرياً في سجون النظام السابق.
محاكمة الأسد غيابياً: رمزية تتجاوز حدود القضاء
على الرغم من أن محاكمة بشار الأسد وشقيقه ماهر تتم غيابياً، إلا أنها تحمل رمزية قانونية وسياسية هائلة. فبموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، يُسمح بالمضي في الإجراءات القضائية ضد المتهمين الفارين من وجه العدالة بعد تبليغهم أصولاً. ويهدف هذا المسار إلى إتمام التحقيقات وجمع الأدلة وإصدار أحكام قضائية، مما يضع أساساً قانونياً متيناً لملاحقتهم دولياً عبر مذكرات توقيف، ويمنعهم من العودة إلى الحياة السياسية مستقبلاً. إن هذه الخطوة، وإن كانت لا تحقق القصاص الفوري الذي يرتجيه الكثيرون، إلا أنها ضرورية لتوثيق الجرائم بشكل رسمي، وتقديم اعتراف قضائي بمعاناة الضحايا، وتشكيل رادع لأي انتهاكات مستقبلية. كما أنها تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في التعاون لتسليم المتهمين الفارين لضمان تحقيق العدالة الكاملة.


