في شهادة تاريخية صادمة تعيد فتح الصندوق الأسود لانتهاكات النظام السوري، كشف الضابط السابق في سلاح الجو، عبد الغني قصاص، عن تفاصيل مروعة تتعلق بإجراء تجارب غاز السارين في سوريا ضد معتقلين سياسيين في ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً في عهد حافظ الأسد. وجاءت هذه الاعترافات الموثقة لتسلط الضوء على بدايات استخدام الأسلحة المحرمة دولياً ضد المدنيين والمعارضين، وذلك خلال مشاركته في برنامج “الحكاية السورية”، حيث روى قصاص شهادته كأحد الضباط الذين عاصروا تلك الحقبة المظلمة وشاركوا في محاولات لتغيير النظام من الداخل.
تفاصيل المحاولة الانقلابية الفاشلة والوشاية القاتلة
أوضح الضابط السابق عبد الغني قصاص أن عشرات الضباط من سلاح الجو السوري، ينتمي معظمهم إلى مدينة دمشق، انخرطوا في تنظيم سري للتخطيط لمحاولة انقلاب عسكري ضد نظام حافظ الأسد بين عامي 1979 و1982. وكان من بين أبرز القياديين في هذا التنظيم العميد الراحل نذير السقا. إلا أن هذه المحاولة الطموحة لم يكتب لها النجاح بسبب تعرض التنظيم لوشاية داخلية كشفت المخطط بالكامل للاستخبارات السورية. وأدى ذلك إلى اعتقال جميع الضباط المشاركين في وقت واحد، ونقلهم إلى فرع المخابرات الجوية الشهير بأساليب تعذيبه الوحشية، حيث خضعوا لتحقيقات قاسية جداً لانتزاع الاعترافات.
كيف جرت تجارب غاز السارين في سوريا بمعسكرات الموت؟
في الجزء الأكثر دموية وإثارة للصدمة من شهادته، تحدث قصاص عن تجارب غاز السارين في سوريا التي أشرف عليها علي مملوك، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس قسم الكيمياء في مطار المزة العسكري. وأشار إلى أنه تم اختيار 15 سجيناً سياسياً من معتقلي المخابرات الجوية في ساحة التحرير بدمشق، ونُقلوا إلى مطار المزة حيث خضعوا لفحوصات طبية دقيقة للتأكد من سلامتهم الجسدية قبل إخضاعهم للتجارب الكيميائية. ولإمعان النظام في التضليل، أُعطي السجناء أوراقاً وأقلاماً لكتابة رسائل طمأنينة إلى عائلاتهم، لإيهامهم بأن الإفراج عنهم بات قريباً.
بعد ذلك، نُقل المعتقلون إلى منطقة “أبو الشامات” في البادية السورية، حيث وُضع بعضهم في خنادق مكشوفة والبعض الآخر في غرف إسمنتية مغلقة محكمة الإغلاق. وتم إطلاق غاز الأعصاب السام (السارين) عليهم لمراقبة تأثيره البيولوجي. وروى قصاص أن خمسة سجناء وُضعوا في غرفة مغلقة وأُطلق عليهم الغاز، مما تسبب في إصابتهم بهلوسات بصرية وسمعية مرعبة، وبدأوا في ضرب بعضهم البعض وجرح أنفسهم بعنف وهم يتوهمون أنهم يستمعون إلى إذاعة لندن، وسط مراقبة دقيقة من علي مملوك، وإبراهيم حويجة، ومحمد الخولي، الذين كانوا يتابعون المشهد من خلف زجاج واقٍ وهم يرتدون الأقنعة الواقية من الغازات.
السياق التاريخي لبرنامج دمشق الكيميائي وأبعاده الدولية
تأتي هذه الشهادة لتضع برنامج الأسلحة الكيميائية السوري في سياقه التاريخي الحقيقي؛ إذ تؤكد الحقائق التاريخية أن النظام السوري بدأ في بناء ترسانته الكيميائية والبيولوجية منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بدعم تقني خارجي، تحت غطاء تحقيق “التوازن الاستراتيجي” مع إسرائيل. إلا أن الواقع العملي والشهادات المتواترة تثبت أن هذه الأسلحة الفتاكة كانت تُطور وتُجرب بالدرجة الأولى كأداة قمع محلية لترهيب الشعب السوري وإخماد أي حراك معارض، كما حدث لاحقاً على نطاق واسع بعد عام 2011 في الغوطة وخان شيخون وسراقب.
إن الكشف عن هذه التفاصيل يحمل أهمية بالغة على المستويين المحلي والدولي. فمحلياً، يعيد فتح ملفات آلاف المفقودين والمعتقلين في سجون النظام منذ عقود دون معرفة مصيرهم. أما دولياً، فإن هذه الشهادات الحية تعزز الملفات القانونية المرفوعة ضد رموز النظام السوري في المحاكم الأوروبية بموجب مبدأ “الولاية القضائية العالمية”، وتوفر أدلة إضافية للمنظمات الحقوقية الدولية لإدانة النظام بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ممتدة عبر الأجيال.
17 عاماً من التعذيب في غياهب سجن صيدنايا
لم تقتصر شهادة قصاص على تجارب الغاز السام، بل امتدت لتشمل تجربته الشخصية المريرة مع الاعتقال والتعذيب. فقد تعرض لشتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي في أقبية المخابرات الجوية، بما في ذلك الضرب المبرح واستخدمت ضده أساليب وحشية مثل “الكرسي الألماني” والكرباج. ونُقل لاحقاً إلى سجن صيدنايا العسكري الشهير، حيث قضى نحو 17 عاماً خلف القضبان قبل أن يُفرج عنه في عام 1999، في حين استمرت عمليات الإفراج التدريجي عن بقية زملائه المعتقلين حتى عام 1991.


