في خطوة دبلوماسية بارزة، ومع ترقب الأوساط السياسية للقاء لبناني-إسرائيلي مرتقب في واشنطن، وجه رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، عبر رئيس بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة السفير نواف سلام، دعوة مباشرة إلى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لممارسة الضغط على إسرائيل بهدف تحقيق الانسحاب من جنوب لبنان بشكل كامل وإنهاء ما وصفه بـ”غزوها” للأراضي اللبنانية. وأكد سلام في تصريحات لصحيفة “واشنطن بوست” أن لبنان لن يوقع أي اتفاق لا يضمن انسحاباً كاملاً للقوات الإسرائيلية، مشدداً على رفض بيروت القاطع لفكرة “المنطقة العازلة” التي تمنع النازحين من العودة إلى قراهم ومنازلهم.
جذور الصراع: تاريخ طويل من التوتر على الحدود
تعود جذور التوتر في جنوب لبنان إلى عقود مضت، وتحديداً منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، والذي أسفر عن احتلال إسرائيلي لـ”شريط أمني” في الجنوب استمر حتى عام 2000. ورغم الانسحاب الإسرائيلي في ذلك العام، إلا أن التوترات الحدودية لم تنتهِ، وبلغت ذروتها في حرب يوليو 2006 بين إسرائيل وحزب الله. على إثر هذه الحرب، صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي دعا إلى وقف كامل للأعمال العدائية، ونشر الجيش اللبناني في الجنوب، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما وراء الخط الأزرق، ونزع سلاح الجماعات المسلحة. ولا يزال تطبيق هذا القرار بشكل كامل مطلباً لبنانياً ودولياً أساسياً لتحقيق الاستقرار الدائم.
أبعاد دبلوماسية: أهمية الانسحاب من جنوب لبنان للاستقرار الإقليمي
تكتسب دعوة سلام أهمية خاصة في توقيتها، حيث تأتي في سياق جهود دولية مكثفة لمنع توسع رقعة الصراع في المنطقة. إن تحقيق الانسحاب من جنوب لبنان لا يمثل فقط انتصاراً دبلوماسياً وسيادياً للبنان، بل يعد خطوة حيوية لخفض التصعيد على واحدة من أكثر الحدود حساسية في الشرق الأوسط. كما يعكس الموقف اللبناني رغبة في ربط مسار المفاوضات بتطبيق القرارات الدولية، وتحديداً القرار 1701، كوسيلة لتعزيز سلطة الدولة اللبنانية وجيشها على كامل أراضيها. وأوضح سلام أن لبنان اتخذ “قرارات جريئة” فيما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة وحظر العمليات العسكرية لحزب الله، معتبراً أن “احتكار الدولة للسلاح مصلحة لبنانية بغض النظر عن مطالب إسرائيل”.
موقف لبناني موحد وتحديات قائمة
أشار سلام إلى أن عملية نزع السلاح ليست أمراً يحدث “بين عشية وضحاها”، لكنه أكد جدية الحكومة في هذا المسار، مطالباً واشنطن وباريس بالمساعدة في تعزيز قدرات الجيش اللبناني الذي يعاني من ضائقة مالية. وفي السياق ذاته، نقلت الرئاسة اللبنانية عن البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، بعد لقائه الرئيس اللبناني، تأكيده على أن “المفاوضات ضرورة وليست تنازلاً” لوقف نزيف الدم، مشدداً على عدم القبول بالمساس بوحدة لبنان واستقلاله وأهمية دعم الجيش. تتزامن هذه التحركات الدبلوماسية مع تصعيد ميداني، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي عن مقتل عنصر من حزب الله في غارة جوية، وحذر المتحدث باسمه من عودة المواطنين إلى نحو 40 قرية في جنوب لبنان حتى إشعار آخر، مما يلقي بظلاله على الجهود الرامية للتوصل إلى حل سياسي.


