تتجه الأنظار غداً إلى العاصمة الإيطالية، حيث تُعقد الجولة السادسة من مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل، في اختبار عملي هو الأول من نوعه لـ«اتفاق الإطار» الذي تم التوصل إليه برعاية أمريكية في واشنطن. هذه الجولة لا تقتصر على الجوانب التقنية فحسب، بل تحمل في طياتها تحديات سياسية وميدانية معقدة، وسط شروط إسرائيلية صارمة وانقسام لبناني داخلي حاد يلقي بظلاله على مستقبل المحادثات ومصير منطقة جنوب لبنان بأكملها.
تأتي هذه المفاوضات في سياق تاريخي طويل من الصراع بين البلدين، والذي شهد محطات عنف كبرى أبرزها حرب عام 2006، التي انتهت بصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي أرسى قواعد الاشتباك ونشر قوات اليونيفيل والجيش اللبناني في الجنوب. ورغم أن القرار نجح في الحفاظ على هدوء نسبي، إلا أن التوترات ظلت قائمة. ويمثل «اتفاق الإطار» محاولة للانتقال من إدارة الصراع إلى بناء آلية أمنية أكثر استدامة، وهو ما تضعه جولة روما على المحك، خصوصاً فيما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من «المنطقتين التجريبيتين» اللتين تمثلان جوهر الخلاف الحالي.
شروط الانسحاب ومعضلة السيادة
يشكل بند الانسحاب الإسرائيلي من المنطقتين التجريبيتين في جنوب لبنان العقدة الأساسية على طاولة البحث. فالاتفاق المبدئي نص على هذه الخطوة كآلية أولى لبسط سيادة الدولة اللبنانية وبناء الثقة. لكن الخلاف يكمن في التفاصيل والشروط المتبادلة؛ حيث يربط الجانب الإسرائيلي انسحابه الكامل بتحمل الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية المطلقة في هاتين المنطقتين، وضمان إخراجهما كلياً من نفوذ عناصر حزب الله. من وجهة نظر تل أبيب، هذا الشرط ليس تفاوضياً بل هو ضمانة أمنية أساسية لمنع استخدام هذه الأراضي كنقاط انطلاق لهجمات مستقبلية.
في المقابل، يصر الوفد اللبناني، الذي تقوده سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض والسفير سيمون كرم، على أن الانسحاب الفوري وتثبيت التهدئة هما الممر الإلزامي لبناء الثقة، وليسا نتيجة لشروط مسبقة. تعتبر بيروت أن فرض شروط على انسحاب من أراضٍ لبنانية يعد مساساً بالسيادة، وأن مسؤولية الأمن الداخلي هي شأن لبناني بحت يقرره الجيش والدولة، وليس ورقة تفاوض. هذا التباين في وجهات النظر يحول النقاش من مسألة فنية إلى صراع إرادات سياسية عميق.
دور واشنطن المحوري في مفاوضات روما
تعكس جولة مفاوضات روما تحولاً في طبيعة الرعاية الدولية، فالضمانات الأمريكية المباشرة حولت اللقاء من صيغة «ثنائية» إلى مظلة «ثلاثية» تحت إشراف واشنطن المباشر. ويمثل الجانب الأمريكي رئيس لجنة التنسيق العسكرية الأمريكية الجنرال جوزيف كليفيلد، إلى جانب قيادة القوات المركزية «سنتكوم»، مما يضع الولايات المتحدة في موقع الضامن المباشر لتنفيذ أي اتفاق ومنع أي تدهور قد ينجم عن التصعيد الإقليمي المستمر. هذا الحضور يرفع من أهمية المحادثات ويجعلها جزءاً من استراتيجية أمريكية أوسع لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.
على الصعيد الداخلي اللبناني، يتزامن المسار التفاوضي مع انقسام حاد. فبينما يدفع كل من الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام نحو تثبيت الاتفاق تمهيداً لزيارة عون المرتقبة إلى واشنطن، تبرز معارضة سياسية قوية تعتبر «اتفاق الإطار» باطلاً وتنتقد ما تصفه بـ«التنازلات». وبين هذه الضغوط المتقاطعة والشروط الميدانية المعقدة، تمثل الساعات القادمة في روما ركيزة أساسية إما لولادة خريطة طريق مستدامة للجنوب، أو بداية لجولة جديدة من التعثر تعيد الأزمة إلى مربعها الأول.


