عندما تُذكر العلاقات السعودية الأمريكية، يتجه الذهن مباشرة إلى لقاء كوينسي 1945، ذلك الاجتماع التاريخي الذي جمع الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود بالرئيس الأمريكي فرانكلين ديلانو روزفلت على متن الطراد الأمريكي “يو إس إس كوينسي” في الرابع عشر من فبراير عام 1945. يُنظر إلى هذا اللقاء على نطاق واسع كنقطة انطلاق للشراكة الاستراتيجية بين البلدين، والتي استمرت لعقود. لكن اختزال هذا الحدث في بعده السياسي أو الأمني فقط، يحجب جانبًا آخر لا يقل أهمية، وربما كان أكثر تأثيرًا على المدى الطويل، ففي ذلك اليوم لم يُرسم فقط مستقبل العلاقة بين الرياض وواشنطن، بل ظهر بوضوح المبدأ الذي سيحكم الموقف السعودي من القضية الفلسطينية طوال العقود الثمانية اللاحقة.
خلفية تاريخية في عالم متغير
جاء اللقاء في لحظة مفصلية من تاريخ العالم. كانت الحرب العالمية الثانية تلفظ أنفاسها الأخيرة، وبدأت القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في رسم ملامح النظام الدولي الجديد. كان الرئيس روزفلت عائدًا من مؤتمر يالطا، حيث التقى بستالين وتشرشل، وأدرك أهمية تأمين مصالح بلاده في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط. في المقابل، كان الملك عبد العزيز قد نجح في توحيد أجزاء واسعة من شبه الجزيرة العربية وتأسيس دولة حديثة، وكان يسعى لتأمين مكانة المملكة في هذا النظام العالمي الناشئ. لم يكن اللقاء مجرد محادثة عابرة، بل كان تقاطعًا للمصالح الاستراتيجية في عالم ما بعد الحرب، حيث كانت الولايات المتحدة قوة صاعدة تبحث عن حلفاء ومصادر طاقة، والمملكة دولة ناشئة تسعى للاستقرار والاعتراف الدولي.
لقاء كوينسي 1945: حوار المبادئ والمصالح
تُظهر الوثائق الأمريكية، وتحديدًا مذكرات الدبلوماسي الأمريكي وليام ألفريد إيدي الذي عمل مترجمًا في اللقاء، أن الرئيس روزفلت استهل حديثه عن القضية الفلسطينية بالإشارة إلى المأساة التي تعرض لها يهود أوروبا على يد النظام النازي. أوضح روزفلت أن المجتمع الدولي يواجه مسؤولية أخلاقية في إيجاد حل لمشكلتهم بعد انتهاء الحرب، وكان السؤال الذي طرحه يحمل في طياته حلاً مقترحًا: أين يمكن أن يجد اليهود وطنًا جديدًا بعد كل ما تعرضوا له في أوروبا؟
هنا، جاء رد الملك عبد العزيز ليؤسس لمبدأ راسخ. لم ينكر الملك حجم المأساة، لكنه رفض بشكل قاطع المنطق الذي ينقل نتائج جريمة وقعت في أوروبا ليتحملها طرف ثالث بريء في فلسطين. بحسب ما دونه إيدي، أوضح الملك أن العدالة تقتضي أن يتحمل مرتكب الجريمة مسؤوليتها. قال الملك ما معناه: “دعوا العدو والظالم يدفع الثمن. ماذا فعل عرب فلسطين ليهود أوروبا؟ إن الألمان هم الذين أخذوا بيوتهم وحياتهم، ولذلك يجب أن يكون الألمان هم من يدفع الثمن”. هذا الموقف، الذي تم تدوينه بصيغة دبلوماسية في وثائق وزارة الخارجية الأمريكية ضمن سلسلة «العلاقات الخارجية للولايات المتحدة» (FRUS)، شكل حجر الزاوية في السياسة السعودية تجاه القضية.
شهادات تاريخية تؤكد ثبات الموقف
لم تكن هذه الرواية حكرًا على شهادة وليام إيدي أو الوثائق الأمريكية. بعد نحو عقدين، في عام 1964، نشر المؤرخ البريطاني ديفيد هوارث كتابه الشهير “ملك الصحراء: سيرة ابن سعود”، والذي يُعد من أوائل السير الغربية العلمية التي تناولت حياة الملك عبد العزيز. اعتمد هوارث على وثائق بريطانية وشهادات معاصرة، وأكد المضمون نفسه، حيث ذكر أن الرئيس الأمريكي حاول إقناع الملك بالنظر إلى المأساة الإنسانية ليهود أوروبا، إلا أن الملك أعاد القضية إلى أساسها الأخلاقي، مؤكدًا أن من ارتكب الجريمة هو من ينبغي أن يتحمل نتائجها. ويختصر هوارث فلسفة الملك في عبارة بليغة: “رفض الملك عبد العزيز أن يتنازل عن شبر واحد من موقفه، لكنه في المقابل لم يطلب من الرئيس شيئًا سوى صداقته”.
من التأسيس إلى الاستمرارية: إرث سياسي ممتد
تكمن أهمية هذا الموقف في أنه لم يكن رد فعل سياسي مؤقت، بل كان تعبيرًا عن فلسفة سياسية قائمة على مبدأ العدالة. لقد ميز الملك عبد العزيز بوضوح بين التعاطف الإنساني مع ضحايا الاضطهاد، ورفض تحميل شعب آخر مسؤولية لم يرتكبها. هذا المبدأ هو ما يفسر استمرارية الموقف السعودي عبر العقود. فعندما طرح الملك فهد مبادرته للسلام عام 1981، وعندما أطلقت المملكة مبادرة السلام العربية في عهد الملك عبد الله عام 2002، كان جوهر كل هذه المبادرات هو نفسه: تحقيق السلام العادل القائم على قيام دولة فلسطينية مستقلة. واليوم، عندما يؤكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، على أن السلام الدائم لا يتحقق إلا بإقامة دولة فلسطينية، فإن هذا الموقف ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد طبيعي للمبدأ الذي أُعلن عنه لأول مرة في لقاء كوينسي 1945.
وهكذا، بعد قرابة ثمانية عقود، لم يعد لقاء كوينسي مجرد بداية لتحالف استراتيجي، بل أصبح لحظة تأسيس لثابت من ثوابت السياسة السعودية، ثابت يؤكد أن الصداقة والتعاون الدولي لا يتعارضان مع التمسك بالحقوق والمبادئ الأخلاقية.


