ضجت منصات التواصل الاجتماعي ومنابر الإعلام بعبارات النعي والرثاء في رحيل الرئيس اليمني السابق، المشير الركن عبدربه منصور هادي، الذي ووري الثرى في العاصمة السعودية الرياض. وقد تحولت شهادات رفاقه ومسؤولي الدولة إلى سجل حافل يستعرض مناقبه ومسيرته في قيادة اليمن خلال واحدة من أصعب الفترات في تاريخه الحديث، حيث أجمعوا على وصفه بالقائد الصبور الذي واجه الانقلاب الحوثي بثبات دفاعاً عن الجمهورية. وتبرز هذه الشهادات الدور المحوري الذي لعبه الرئيس عبدربه منصور هادي في مرحلة انتقالية معقدة، انتهت بمواجهة مفتوحة مع مشروع مدعوم من إيران سعى إلى إعادة اليمن إلى عصور الإمامة.
من التوافق الوطني إلى مواجهة الانقلاب
صعد المشير هادي إلى سدة الحكم في فبراير 2012 كرئيس توافقي، بموجب المبادرة الخليجية التي أنهت حكم الرئيس الراحل علي عبد الله صالح عقب ثورة شعبية واسعة. كانت مهمته الأساسية قيادة مرحلة انتقالية لمدة عامين، تشمل إعادة هيكلة الجيش والأمن، والأهم من ذلك، الإشراف على مؤتمر الحوار الوطني الشامل. وقد نجح المؤتمر في جمع كافة الأطياف السياسية اليمنية، بما في ذلك الحوثيون، للخروج بوثيقة تاريخية ترسم ملامح الدولة الاتحادية الجديدة. إلا أن هذه الجهود اصطدمت بانقلاب مليشيا الحوثي على السلطة واجتياحها للعاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وفرض الإقامة الجبرية على الرئيس هادي وأعضاء حكومته، في خطوة نسفت العملية السياسية برمتها وأدخلت البلاد في نفق الحرب المظلم.
شهادات رفاق الدرب في حق الرئيس عبدربه منصور هادي
في شهادته، كتب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، أن “الرئيس هادي حفر اسمه كقائد شجاع، تصدر معركة الدفاع عن النظام الجمهوري، ووقف بثبات في مواجهة المشروع الإمامي الجديد”. من جانبه، وصف رئيس الحكومة الدكتور شائع الزنداني الرئيس الراحل بأنه “أحد رجال اليمن الشجعان” الذين حملوا مسؤولية الدولة في أصعب الظروف وأكثرها تعقيداً، وظل متمسكاً ومدافعاً عن الجمهورية والثوابت الوطنية. أما رئيس البرلمان اليمني، سلطان البركاني، فقد نعى رفيق دربه الطويل قائلاً: “أنعى الأخ والصديق الرئيس عبدربه منصور هادي، الذي جمعتني به رحلة طويلة من العمل الوطني والسياسي”. وأضاف البركاني أن مسيرتهما المشتركة شهدت وشائج الصداقة ورفقة المسؤولية عبر عقود من الزمن، جمعتهما هموم الوطن وتحدياته الثقيلة. بدوره، عبّر القيادي علي محسن الأحمر، الذي شغل منصب نائب الرئيس الراحل، عن حزنه العميق، قائلاً: “برحيل الرئيس هادي، فقد الوطن اليوم مناضلاً جسوراً من الرعيل الأول الذين قارعوا الاستعمار، ورمزاً من رموز ثورة 14 من أكتوبر”.
إرث سياسي في زمن الحرب
سيظل اسم الرئيس هادي مرتبطاً بالمرحلة التي شهدت تحولاً جذرياً في مسار الدولة اليمنية. فبعد تمكنه من الإفلات من حصاره في صنعاء والوصول إلى عدن، أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد، ومنها قاد المقاومة ضد التمدد الحوثي. ومع وصول المليشيات إلى مشارف عدن، اتخذ قراره التاريخي بطلب الدعم من الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما أفضى إلى انطلاق عملية “عاصفة الحزم” بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس 2015. وعلى مدى سنوات الحرب، قاد هادي الشرعية من منفاه في الرياض، مواجهاً تحديات عسكرية وسياسية واقتصادية جسيمة. وفي أبريل 2022، اتخذ قراره الأخير بنقل كامل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي، في خطوة هدفت إلى توحيد الصف الجمهوري وفتح آفاق جديدة للسلام، مختتماً بذلك مسيرة حافلة بالتضحيات في سبيل وطن يستحق السلام والاستقرار.


