شهدت منشأة الجمرات تدفقاً متدرجاً وناجحاً لضيوف الرحمن، الذين بدأوا أمس (الأربعاء) رمي الجمرة الكبرى، في مشهد يعكس قمة التنظيم والإدارة الفعالة. بعد أن أتم الحجاج مناسك الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، توجهوا إلى منى في انسيابية تامة، بفضل تسخير كافة الإمكانات الخدمية والأمنية لضمان سلامة الحجاج في رمي الجمرات منذ لحظة مغادرتهم مزدلفة وحتى وصولهم إلى جسر الجمرات. هذا التنظيم الدقيق يهدف إلى توفير بيئة آمنة ومريحة لملايين المسلمين لأداء هذا الركن العظيم من أركان الحج.
وقد خصصت الجهات المعنية مسارات متعددة ومدروسة بعناية فائقة لتوزيع الحشود على الأدوار المتعددة لمنشأة الجمرات. هذا التصميم الهندسي المبتكر لجسر الجمرات، بأدواره المتعددة، يضمن انسيابية الحركة ويراعي توزيع كثافة الحجيج أثناء أداء شعيرة الرمي، ويربطه بشكل فعال بجسور المشاة مع قطار المشاعر والمناطق المحيطة بمخيمات منى، مما يقلل من فرص التكدس والازدحام بشكل كبير.
يواصل ضيوف الرحمن رمي الجمرات في بيئة متكاملة من الخدمات، حيث تتواجد فرق الأمن، والصحة، والإسعاف، والدفاع المدني على مدار الساعة. يعمل رجال الأمن بجد لتنظيم حركة الحجيج في ساحات جسر الجمرات وعلى مداخله ومخارجه، موجهين ومساعدين الملايين لضمان أداء المناسك بيسر وطمأنينة.
اتسمت حركة الحجيج نحو جسر الجمرات والساحات المحيطة به بالتدفق المتدرج والآمن، حيث تم توجيههم على دفعات منظمة وتوزيعهم على الأدوار المختلفة وفقاً للخطط المعدة مسبقاً. وقد عاد الحجاج إلى مواقع إقامتهم بانسيابية ومرونة ملحوظة، بينما شهدت الطرق في مشعر منى إجمالاً مرونة عالية في الحركة المرورية للسيارات وتنقل الحجيج، مما يؤكد نجاح الخطط التشغيلية الموضوعة.
صادف يوم أمس “أول أيام عيد الأضحى المبارك” لهذا العام، وهو اليوم الذي يؤدي فيه الحجاج شعيرة رمي جمرة العقبة الكبرى. يأتي ذلك بعد أن أمضوا يوم التاسع من ذي الحجة، يوم عرفة، في الوقوف على صعيد عرفات الطاهر، مؤدين الركن الأعظم من أركان الحج، ثم نفروا إلى مزدلفة للمبيت وجمع الحصى قبل التوجه إلى منى.
الأهمية التاريخية والروحية لرمي الجمرات
شعيرة رمي الجمرات ليست مجرد حركة جسدية، بل هي رمز عميق في الإسلام يعود إلى قصة النبي إبراهيم عليه السلام عندما اعترض الشيطان طريقه محاولاً ثنيه عن تنفيذ أمر الله بذبح ابنه إسماعيل. فقام إبراهيم برميه بسبع حصيات في ثلاثة مواضع، وهي الجمرات الثلاث التي يرميها الحجاج اليوم. هذه الشعيرة تجسد رفض المسلم للشيطان ووساوسه، وتأكيداً على الطاعة المطلقة لله. على مر العصور، كانت هذه الشعيرة تمثل تحدياً لوجستياً كبيراً نظراً لتجمع ملايين الحجاج في مكان واحد وزمان محدد، مما أدى في الماضي إلى حوادث تدافع مؤسفة.
جهود المملكة في تطوير منشأة الجمرات: نموذج عالمي لإدارة الحشود
إدراكاً منها لهذه التحديات، استثمرت المملكة العربية السعودية بسخاء في تطوير منشأة الجمرات لتصبح نموذجاً عالمياً في إدارة الحشود. مشروع جسر الجمرات متعدد الطوابق، الذي يعد تحفة هندسية، صمم خصيصاً لاستيعاب الأعداد الهائلة من الحجاج وتوزيعهم على مستويات مختلفة، مما يضمن تدفقاً سلساً وآمناً. هذه الجهود المتواصلة تعكس التزام المملكة، بصفتها خادمة الحرمين الشريفين، بتوفير أقصى درجات الراحة والأمان لضيوف الرحمن من جميع أنحاء العالم. إن النجاح في تنظيم سلامة الحجاج في رمي الجمرات سنوياً هو شهادة على التخطيط الدقيق والتنفيذ الفعال الذي يضمن لكل حاج أداء نسكه بسلام وطمأنينة، ويعزز مكانة المملكة كمركز ريادي في إدارة التجمعات البشرية الكبرى.
مشعر منى: أطول طريق مشاة في العالم
مشعر منى، هذا الوادي المقدس المحاط بالجبال من الشمال والجنوب، وجمرة العقبة من جهة مكة المكرمة، ووادي محسر من جهة مشعر مزدلفة، يُعد أكبر المشاعر مساحة في مكة المكرمة. تُعرف منى بأنها القلب النابض لشعائر الحج، حيث يقضي الحجاج فيها ليالي أيام التشريق ويوم عيد الأضحى، ويؤدون فيها رمي الجمرات الثلاث بين شروق الشمس وغروبها. كما تُذبح فيها الهدي، وتتميز بأنها لا تُسكن إلا في أيام الحج المباركة. تستقبل منى سنوياً ما يزيد على مليوني حاج وعامل ومقدم خدمة، بدءاً من يوم التروية (8 ذي الحجة) وحتى نهاية أيام التشريق (13 ذي الحجة)، باستثناء يوم عرفة (9 ذي الحجة)، ليقضي الحجاج فيها ما بين أربعة إلى خمسة أيام حسب تعجلهم أو تأخرهم. يضم مشعر منى أطول طريق للمشاة في العالم، والذي يمتد من جبل الرحمة بعرفات مروراً بمزدلفة، وهو طريق ذو أربعة مسارات مجهز بمظلات واقية من الشمس، ومقاعد للاستراحة، ونقاط لتوزيع المياه الباردة، مما يوفر بيئة مريحة للحجاج أثناء تنقلهم. تقع منى شرق مدينة مكة، وتحدها جمرة العقبة من الشمال الغربي، ووادي محسر من الجنوب الشرقي، وجبل القويقيعان من الشمال، وجبل ثبير من الجنوب. يفصل وادي محسر بين منى ومشعر مزدلفة. تُقدر مساحة منى بنحو 7.82 كيلومتر مربع، منها 4.8 كيلومتر مربع مستغلة فعلياً، أي ما يعادل 61% من المساحة الإجمالية، بينما تغطي الجبال الوعرة 39% المتبقية، وترتفع قممها لنحو 500 متر فوق مستوى سطح الوادي.
خيام مصنوعة من الزجاج المقاوم للاشتعال
تتميز منى بوجود خيام سكنية حديثة ومبتكرة مصنوعة من الألياف الزجاجية المغطاة بمادة “التفلون”، المعروفة بمقاومتها العالية للاشتعال، مما يوفر بيئة آمنة جداً للحجاج. هذه الخيام مترابطة ببعضها البعض عبر ممرات منظمة، وتحاط كل مجموعة منها بأسوار معدنية مزودة بأبواب رئيسية وأخرى للطوارئ، لضمان سهولة الحركة والإخلاء عند الحاجة. تمتد هذه الخيام على مساحة شاسعة تبلغ 2.5 مليون متر مربع، وتستوعب ما يقارب 2.6 مليون حاج، مما يجعلها أكبر مدينة خيام في العالم. يقضي الحجاج في منى أيام التشريق الثلاثة، وهي الأيام الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة من ذي الحجة، حيث يؤدون شعيرة رمي الجمرات الثلاث: الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى. ويجوز للحاج المتعجل أن يرمي الجمرات في يومين فقط (الحادي عشر والثاني عشر) ثم يغادر منى قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر، ولا إثم عليه في ذلك. سميت هذه الأيام بـ”أيام التشريق” لأن العرب قديماً، كما ذكر ابن حجر، كانوا يشرقون لحوم الأضاحي في الشمس، أي يقطعونها وينشرونها لتجفيفها وحفظها، في إشارة إلى الأضاحي التي تُذبح في هذه الأيام المباركة.


