في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة التي يشهدها الشرق الأوسط، تتجه الأنظار نحو التحركات الأوروبية لضمان استقرار الملاحة البحرية. وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تنسيق مشترك مع العاصمة البريطانية لندن لتنظيم محادثات قريبة تهدف إلى تشكيل بعثة متعددة الجنسيات. وتأتي هذه الخطوة في إطار إطلاق مهمة سلمية في مضيق هرمز، بهدف أساسي يتمثل في المساعدة على إعادة حركة الملاحة الطبيعية عبر هذا الممر المائي الحيوي.
وأوضح ماكرون في تصريحات نشرها عبر منصة «إكس»، أن الأيام القليلة القادمة ستشهد تنظيم مؤتمر دولي بالتعاون مع المملكة المتحدة. سيضم هذا المؤتمر كافة الدول المستعدة للمساهمة في هذه المبادرة. وشدد الرئيس الفرنسي على أن البعثة ستكون «دفاعية بحتة» وذات طابع سلمي، مؤكداً أنها ستكون جاهزة للانتشار الفوري بمجرد أن تسمح الظروف الميدانية والسياسية بذلك، لضمان استعادة حرية الملاحة في المضيق دون الانجرار إلى تصعيد عسكري.
الأهمية الاستراتيجية وراء إطلاق مهمة سلمية في مضيق هرمز
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، حيث يربط بين الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب. تاريخياً، كان هذا المضيق شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، وخاصة في مجال نقل موارد الطاقة. يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. إن أي تعطيل لحركة السفن في هذه المنطقة الحساسة يؤدي فوراً إلى تقلبات حادة في الأسواق العالمية. لذلك، فإن التفكير في إرساء مهمة سلمية في مضيق هرمز لا ينبع فقط من مخاوف أمنية لحظية، بل يستند إلى تاريخ طويل من الجهود الدولية الرامية إلى إبقاء هذا الممر مفتوحاً أمام التجارة الحرة، بعيداً عن التجاذبات السياسية والصراعات العسكرية التي طالما هددت استقرار المنطقة.
التداعيات الاقتصادية وموقف بريطانيا وألمانيا من الأزمة
على الصعيد الإقليمي والدولي، يحمل إغلاق المضيق أو تهديد الملاحة فيه تداعيات كارثية. وفي هذا الصدد، جدد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تأكيده على أن بلاده لن تنجر إلى حرب مفتوحة مع إيران مهما تعاظمت الضغوط. وخلال حديثه لإذاعة «بي بي سي 5 لايف»، أوضح ستارمر أن إعادة فتح المضيق بشكل كامل يمثل أولوية قصوى، مشيراً إلى أن الجهود الدبلوماسية تتركز حالياً على هذا الهدف. وأكد رفضه القاطع لدعم أي حصار، مبيناً أن بريطانيا شاركت في إجراءات دفاعية محددة منذ اندلاع الأزمة في 28 فبراير، لكنها ترفض الانزلاق نحو صراع شامل.
من جهة أخرى، برزت المخاوف الأوروبية بوضوح في تحذيرات المستشار الألماني فريدريش ميرتس. حذر ميرتس من أن الاقتصاد الألماني، الذي يعتمد بشدة على استقرار أسعار الطاقة، سيعاني لفترة طويلة من تداعيات أزمة الطاقة التي أفرزتها حرب الشرق الأوسط. وأعلن في مؤتمر صحفي أن حكومته أقرت حزمة من الإجراءات العاجلة للتخفيف من وطأة الأزمة، شملت خفض الضرائب على الوقود، محذراً من أن آثار هذه الحرب ستستمر حتى بعد انتهائها.
التوترات الحالية والمساعي الدولية لاحتواء الموقف
تأتي هذه التحركات الأوروبية في وقت يشهد فيه المضيق إغلاقاً عملياً من قبل إيران أمام إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. وقد تفاقم هذا الوضع منذ الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي وقع في 28 فبراير، مما أدخل المنطقة في نفق مظلم من التوترات غير المسبوقة. وفي تطور لافت، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية نيتها فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، وذلك في أعقاب فشل المباحثات الدبلوماسية التي جرت بين البلدين في العاصمة الباكستانية إسلام آباد خلال عطلة نهاية الأسبوع. كانت تلك المباحثات تمثل مسعى دولياً أخيراً للتوصل إلى تسوية سلمية تنهي الحرب وتعيد الاستقرار إلى المنطقة.
إن تضافر الجهود الفرنسية والبريطانية لتقديم بديل دبلوماسي ودفاعي يبرز مدى خطورة الموقف. فالمجتمع الدولي يدرك تماماً أن استمرار إغلاق المضيق لن يقتصر تأثيره على دول الشرق الأوسط فحسب، بل سيمتد ليضرب عصب الاقتصاد العالمي، مما يجعل نجاح أي مبادرة دولية لتهدئة الأوضاع ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل.


