تقدمت دولة فلسطين بطلب رسمي وعاجل لعقد دورة غير عادية لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين في أقرب وقت ممكن. يأتي هذا التحرك الدبلوماسي المكثف بهدف بحث سبل التصدي للجرائم والانتهاكات الإسرائيلية المتصاعدة في مدينة القدس المحتلة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، وعلى رأسها إقرار الكنيست الإسرائيلي مؤخراً تشريعاً عنصرياً باطلاً يُعرف باسم قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.
وأكد السفير مهند العكلوك، المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى جامعة الدول العربية، أن هذا الطلب يأتي في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي الممنهج ضد الشعب الفلسطيني. وأشار إلى أن الانتهاكات في القدس، وتقويض حرية العبادة، واستمرار إغلاق المسجد الأقصى المبارك لأكثر من 30 يوماً، تمثل تصعيداً خطيراً. واعتبر العكلوك أن إقرار الكنيست لهذا القانون يمثل حلقة جديدة في مسلسل جرائم الإبادة الجماعية، داعياً الدول العربية للاجتماع الفوري لبحث آليات التصدي لهذا العدوان الغاشم الذي يضرب بعرض الحائط كافة المواثيق الدولية.
وفي سياق متصل، أدان أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، بأشد العبارات إقرار دولة الاحتلال لهذا التشريع. وشدد على أن هذا الإجراء يتناقض بشكل صارخ مع أبسط مبادئ القانون الدولي الإنساني، ويكرس فصلاً عنصرياً (أبارتايد) ضد الفلسطينيين. وحذر المتحدث باسم الأمين العام من أن تمرير هذا التشريع يعكس هيمنة اليمين المتطرف على القرار السياسي في إسرائيل، محذراً من أن عجز المجتمع الدولي عن التدخل سيدفع المنطقة نحو انفجار شامل ودوامة لا تنتهي من التصعيد.
جذور التطرف: كيف تبلور قانون إعدام الأسرى في أروقة الكنيست؟
لم يكن إقرار قانون إعدام الأسرى وليد اللحظة، بل هو نتاج سنوات من التحريض الممنهج الذي قادته أحزاب اليمين المتطرف في إسرائيل. تاريخياً، امتنعت المحاكم الإسرائيلية عن تطبيق عقوبة الإعدام منذ عقود طويلة، حيث كانت الحالة الوحيدة البارزة هي إعدام النازي أدولف أيخمان عام 1962. ومع ذلك، فإن التشريع الجديد الذي قاده وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير وحزبه “عوتسما يهوديت”، يفرض عقوبة الإعدام شنقاً كعقوبة افتراضية على الفلسطينيين المدانين في المحاكم العسكرية بالضفة الغربية بتهمة “القتل المتعمد ضمن عمل إرهابي”. وقد تم تمرير القانون بأغلبية 62 صوتاً مقابل 48، وسط احتفالات استفزازية داخل الكنيست بحضور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
تداعيات التشريع الجديد على المشهد الإقليمي والدولي
يحمل هذا التشريع تداعيات كارثية على مستويات عدة. محلياً، يهدد القانون حياة آلاف الأسرى الفلسطينيين القابعين في سجون الاحتلال، والذين تجاوز عددهم 9100 أسير منذ تصاعد التوترات في أكتوبر 2023، بينهم نساء وأطفال. كما أنه يميز بشكل عنصري وفاضح بين الفلسطينيين الخاضعين للمحاكم العسكرية، والإسرائيليين الذين يُحاكمون أمام محاكم مدنية، حيث يُستثنى الأخيرون من هذه الإجراءات القمعية.
إقليمياً، يُنذر هذا التصعيد بإشعال انتفاضة جديدة وتوسيع دائرة المواجهات لتشمل جبهات متعددة، مما يهدد الاستقرار الهش في الشرق الأوسط. أما على الصعيد الدولي، فقد أثار التشريع موجة من الانتقادات الحادة. واعتبرت منظمات حقوقية عالمية، مثل منظمة العفو الدولية وخبراء الأمم المتحدة، أن هذا الإجراء يمثل انتهاكاً صارخاً للحق في الحياة ولاتفاقيات جنيف التي تحمي أسرى الحرب والمدنيين تحت الاحتلال. كما حذرت دول أوروبية كبرى، منها بريطانيا وفرنسا، من أن هذه الخطوات تضع تل أبيب أمام تحديات قانونية غير مسبوقة أمام المحاكم الجنائية الدولية، مما يعزل إسرائيل سياسياً ودبلوماسياً على الساحة العالمية.


