أكد رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، أن بلاده لعبت دوراً صادقاً ومحورياً في إنجاح الوساطة الباكستانية بين أمريكا وإيران، وذلك خلال لقاء استراتيجي جمعه بالرئيس الصيني شي جين بينغ في العاصمة بكين. وأوضح شريف أن هناك تقدماً كبيراً قد تم إحرازه في مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية، مشيراً إلى أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح نحو تخفيف حدة التوترات التي طالما أثرت على استقرار المنطقة.
جذور التوتر والدور التاريخي لإسلام آباد
لفهم طبيعة هذا الحراك الدبلوماسي، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للعلاقات المعقدة بين واشنطن وطهران، والتي اتسمت بالقطيعة والتوتر منذ عقود. وفي خضم هذا الصراع، وجدت باكستان نفسها في موقف جيوسياسي دقيق؛ فهي من جهة ترتبط بحدود برية طويلة وعلاقات تاريخية وثقافية مع جارتها إيران، ومن جهة أخرى تمتلك شراكة استراتيجية وعسكرية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة. هذا الموقع الفريد جعل من إسلام آباد قناة اتصال خلفية محتملة ووسيطاً مقبولاً في أوقات الأزمات، حيث تسعى دائماً لتجنب أي تصعيد عسكري على حدودها قد يؤدي إلى موجات نزوح أو اضطرابات أمنية واقتصادية.
أبعاد الوساطة الباكستانية بين أمريكا وإيران برعاية صينية
خلال المباحثات في بكين، ثمّن رئيس الوزراء الباكستاني دعم الصين لجهود بلاده في هذه المفاوضات الحساسة. وأشار شريف إلى أن المقترحات الأربعة التي طرحها الرئيس الصيني بشأن الوضع في الشرق الأوسط تقدم توجيهاً مهماً لإحلال السلام. كما أكد أن الشراكة الاستراتيجية التعاونية الشاملة بين باكستان والصين لا تزال محورية في السياسة الخارجية لبلاده.
من جانبه، أشاد الرئيس الصيني شي جين بينغ بمبادرة باكستان للقيام بدور الوساطة لاستعادة السلام في الشرق الأوسط. ووجه “شي” إشادة خاصة لقائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، الذي كان حاضراً في بكين ولعب دوراً محورياً في محادثات السلام، قائلاً له: «أعلم أنك عدت للتو من إيران، وبذلت جهوداً إيجابية من أجل السلام الحالي». وشدد الرئيس الصيني على أن إنهاء الحرب، التي تسببت في أكبر أزمة طاقة منذ عقود، يمثل أولوية قصوى، مؤكداً أن استئناف القتال أمر غير مقبول. وتزامنت هذه التصريحات مع إعلان التلفزيون الباكستاني عن زيارة قائد الجيش عاصم منير للصين برفقة رئيس الوزراء لإجراء محادثات موسعة مع القادة الصينيين.
التداعيات الإقليمية والدولية لجهود التهدئة
تكتسب هذه التحركات الدبلوماسية أهمية بالغة على كافة الأصعدة. محلياً، تسعى باكستان لتأمين حدودها الغربية وضمان استقرارها الداخلي، فضلاً عن رغبتها في إحياء مشاريع اقتصادية حيوية مثل خط أنابيب الغاز الإيراني الباكستاني الذي تعطل طويلاً بسبب العقوبات. إقليمياً ودولياً، يمثل أي صراع مباشر بين واشنطن وطهران تهديداً كارثياً لأمن الملاحة في مضيق هرمز، مما قد يؤدي إلى صدمة في أسواق الطاقة العالمية. وهنا يبرز الدور الصيني الداعم للتهدئة، حيث تعتبر بكين الاستقرار في الشرق الأوسط وجنوب آسيا شرطاً أساسياً لنجاح مبادرة “الحزام والطريق” والممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.
عقبات وتحديات: تراجع التفاؤل في واشنطن وطهران
رغم الجهود المبذولة، تراجع التفاؤل في التصريحات الإيرانية والأمريكية مؤخراً، حيث قللت كل من واشنطن وطهران من فرص تحقيق انفراجة وشيكة في الصراع الذي تصاعد قبل ثلاثة أشهر. وقد تجلى هذا الموقف المتشدد في تصريحات الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترمب، الذي حدد خيارين أمام إيران قائلاً: «إما أن يكون اتفاقاً عظيماً وذا معنى حقيقي، أو لن يكون على الإطلاق». وفي السياق ذاته، صرح وزير الخارجية الأمريكي المرشح ماركو روبيو بأنه إما أن تتوصل الولايات المتحدة إلى اتفاق جيد مع إيران أو ستتعامل معها بطريقة أخرى.
في المقابل، عكس الموقف الإيراني حذراً مماثلاً؛ إذ صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، بأنه لا توجد حالياً أي خطط لإرسال وفد تفاوضي إلى باكستان. وأضاف بقائي أنه على الرغم من توصل إيران والولايات المتحدة إلى إطار عمل مبدئي، إلا أنه لا يمكن القول إن التوقيع على اتفاق نهائي أصبح وشيكاً، مما يترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من التجاذبات الدبلوماسية في المستقبل القريب.


