كارثة عطش تضرب أم درمان في قلب الصراع السوداني
في فصل جديد ومأساوي من المعاناة الإنسانية التي تعصف بالسودان، تواجه العاصمة الخرطوم، وتحديداً مدينة أم درمان، أزمة حادة مع إعلان توقف محطة مياه الصالحة الحيوية. هذا التوقف، الناجم عن انخفاض حاد وغير مسبوق في منسوب مياه النيل الأزرق، يترك مئات الآلاف من السكان في مواجهة مباشرة مع شبح العطش، مما يفاقم الوضع الكارثي الذي يعيشونه منذ اندلاع النزاع المسلح. قضية أم درمان بلا مياه لم تعد مجرد عنوان إخباري، بل واقع مرير يهدد حياة الملايين، ويضاف إلى سلسلة الأزمات المتلاحقة من انعدام الأمن الغذائي وتفشي الأوبئة الفتاكة.
جذور الأزمة: صراع يدمر شريان الحياة في السودان
لا يمكن فصل أزمة المياه الحالية عن السياق العام للحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. لقد أدى هذا الصراع إلى تدمير ممنهج للبنية التحتية الحيوية في البلاد، بما في ذلك محطات الكهرباء والمياه والمرافق الصحية. فالانخفاض في منسوب النيل، وإن كان عاملاً طبيعياً، إلا أن غياب الصيانة الدورية للمحطات وتأمين الوقود اللازم لتشغيل المضخات البديلة بسبب الحصار والقتال، هو ما حول المشكلة إلى كارثة. لقد أصبحت الخدمات الأساسية التي كانت تعتبر من المسلمات، مثل الحصول على مياه شرب نظيفة، ترفاً بعيد المنال للسكان المحاصرين بين نيران القذائف وشبح العطش والمرض.
أم درمان بلا مياه: تداعيات كارثية على الصحة والبيئة
إن توقف إمدادات المياه النظيفة له عواقب وخيمة تتجاوز مجرد الشعور بالعطش. يضطر المواطنون، في ظل انقطاع الإمداد، إلى البحث عن مصادر بديلة محفوفة بالمخاطر، مثل الآبار الجوفية غير المعقمة أو اللجوء مباشرة إلى مياه النيل الملوثة. هذا الوضع يخلق بيئة مثالية لانتشار الأمراض المنقولة عبر المياه، وعلى رأسها وباء الكوليرا الذي بدأ بالفعل بالانتشار في ولايات أخرى مثل دارفور وكردفان، مخلفاً عشرات الوفيات. يتزامن هذا الخطر الصحي مع انهيار شبه كامل للقطاع الصحي، حيث خرجت معظم المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، إما بسبب القصف المباشر أو نقص الكوادر الطبية والمستلزمات العلاجية الأساسية، مما يجعل مواجهة أي تفشٍ وبائي أمراً شبه مستحيل.
أبعاد إقليمية ودولية لأزمة تتجاوز الحدود
المأساة السودانية لم تعد شأناً داخلياً، بل امتدت تداعياتها لتهدد استقرار المنطقة بأكملها. فقد أدت الحرب إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، مع فرار الملايين إلى دول الجوار التي تعاني أصلاً من أوضاع اقتصادية هشة. على الصعيد الدبلوماسي، ورغم المبادرات الدولية المتعددة، مثل المقترحات الأمريكية لهدنة إنسانية، لا يزال المسار السياسي مجمداً. وفي محاولة لتجفيف منابع تمويل الحرب، فرض الاتحاد الأوروبي مؤخراً حظراً على الذهب السوداني، لكن المراقبين يؤكدون أن الضغط الدولي يجب أن يركز بشكل عاجل على فتح ممرات إنسانية آمنة وضمان حماية المدنيين قبل فوات الأوان. إن المشهد الإنساني في السودان اليوم لم يعد يحتمل الانتظار، فالبلاد تنزلق بسرعة نحو مجاعة حقيقية وانهيار صحي شامل يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لإنقاذ ملايين الأرواح.


