أثار عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، جدلاً سياسياً وقانونياً واسعاً بعد تلويحه بأنه يدرس مع المستشارين القانونيين إمكانية اتخاذ إجراءات بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قد تصل إلى محاولة تنفيذ إجراءات قانونية ضده حال زيارته للمدينة. وتأتي هذه التصريحات في سياق طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرة توقيف بحق نتنياهو، مما يضع احتمالية اعتقال نتنياهو على طاولة النقاش في دوائر غير متوقعة.
في مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز”، أكد ممداني أن نتنياهو “ينبغي أن يكون في لاهاي”، في إشارة واضحة إلى مقر المحكمة الجنائية الدولية. وتستند هذه الدعوات إلى مذكرة التوقيف التي طلبتها المحكمة في نوفمبر 2024، والتي تتهم نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب الدائرة في قطاع غزة.
خلفية الصراع وقرار المحكمة الجنائية
تعود جذور هذا التوتر إلى ما بعد هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، والذي وصفه ممداني بأنه “جريمة حرب مروعة”، وما تلاه من عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق في قطاع غزة. وقد أدت هذه العمليات إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين وتدمير هائل للبنية التحتية، مما دفع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى التحرك. شملت الاتهامات الموجهة لنتنياهو استخدام التجويع كسلاح حرب، والقتل، والاضطهاد، وأفعال أخرى وصفتها المحكمة بأنها غير إنسانية بحق المدنيين في القطاع. خلال حملته الانتخابية، وصف ممداني العمليات العسكرية الإسرائيلية بأنها “إبادة جماعية”، وهو ما يعكس موقف الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه.
تحديات قانونية ودبلوماسية أمام إمكانية اعتقال نتنياهو
على الرغم من تصريحات ممداني القوية، فإن تنفيذ مثل هذا الإجراء يواجه عقبات هائلة. أوضح العمدة نفسه أنه ليس متأكداً من امتلاكه السلطة القانونية لإصدار أوامر لشرطة نيويورك باحتجاز زعيم أجنبي يتمتع بوضع دبلوماسي. وأضاف: “سنلتزم بما يسمح به القانون في مدينة نيويورك، ولن نقوم بصياغة قوانين جديدة لهذا الغرض”. الخبراء القانونيون الذين استطلعت آراءهم “نيويورك تايمز” يرون أن تنفيذ الاعتقال “شبه مستحيل من الناحية العملية”، وقد يضع عمدة المدينة في مواجهة مباشرة مع الحكومة الفيدرالية الأمريكية، التي تتولى حصراً شؤون السياسة الخارجية.
الموقف الأمريكي الرسمي يرفض بشكل قاطع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، فالولايات المتحدة ليست عضواً فيها، وتعتبر أي إجراءات تتخذها ضد حلفائها، مثل إسرائيل، غير شرعية. هذا الموقف ليس جديداً، ففي عهد الرئيس دونالد ترامب، فرضت إدارته عقوبات اقتصادية على مسؤولي المحكمة. كما تعهد مسؤولون في الإدارة الحالية بالعمل على “تفكيك” المحكمة إذا مضت في إجراءاتها ضد إسرائيل.
ردود فعل غاضبة ومواقف متباينة
قلل نتنياهو من أهمية تصريحات ممداني، مؤكداً في مقابلة إذاعية أنه لا يشعر بأي قلق من هذه التهديدات، واتهم عمدة نيويورك بدعم حركة حماس. بدوره، اتهم السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، ممداني، وهو أول عمدة مسلم لنيويورك، بتأجيج معاداة السامية داخل المدينة. في المقابل، رد ممداني على هذه الاتهامات بالتأكيد على أنه عزز تمويل مكتب مكافحة جرائم الكراهية. ومن المتوقع أن يحضر نتنياهو اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر القادم، حيث سيلقي كلمة للدفاع عن موقف إسرائيل وحقها في حماية مواطنيها، مما يجعل هذه الزيارة محط أنظار العالم.


