بعد خمسة أشهر من الترقب والانتظار عقب الانتخابات التشريعية، حسم مجلس النواب العراقي قراره باختيار مرشح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ليكون نزار آميدي رئيسا للعراق خلفاً للرئيس المنتهية ولايته عبد اللطيف جمال رشيد. جاء هذا الانتخاب في جلسة برلمانية حاسمة عقدت اليوم السبت، لتطوي صفحة من الخلافات السياسية وتفتح باباً جديداً نحو استكمال الاستحقاقات الدستورية وتشكيل الحكومة الاتحادية الجديدة.
كواليس الجلسة البرلمانية وتتويج نزار آميدي رئيسا للعراق
باشر مجلس النواب العراقي عقد جلسته المخصصة للتصويت وسط أجواء مشحونة واعتراضات من قبل بعض القوى السياسية، وذلك لعدم تحقيق التوافق الشامل الذي يسبق عادة الجلسات المهمة والحساسة. وأخفق المجلس في الجولة الأولى بحسم المنصب لعدم حصول أي من المرشحين الأربعة المتنافسين على أغلبية الثلثين المطلوبة دستورياً. أدى ذلك إلى اللجوء لجولة ثانية اقتصرت على آميدي والمرشح المستقل مثنى أمين نادر، بعد استبعاد فؤاد حسين مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني، وعبد الله العلياوي. وفي النهاية، حصد آميدي 227 صوتاً، ليؤدي اليمين الدستورية فوراً كرئيس جديد للبلاد.
السياق التاريخي لمنصب الرئاسة في النظام السياسي العراقي
منذ التغييرات الجذرية التي شهدتها البلاد عام 2003 وسقوط نظام حزب البعث برئاسة الراحل صدام حسين على يد القوات الأمريكية وحلفائها، تأسس نظام سياسي مبني على التوافقات العرفية لضمان الشراكة. وبموجب هذا العرف السياسي، يُسند منصب رئيس الجمهورية إلى المكون الكردي، وتحديداً لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني في أغلب الدورات، بينما يذهب منصب رئيس الوزراء للمكون الشيعي، ورئاسة البرلمان للمكون السني. وبانتخاب الرئيس السادس للجمهورية، تستمر هذه التوازنات الدقيقة التي تهدف إلى ضمان تمثيل كافة المكونات العراقية في هرم السلطة، رغم التحديات المستمرة في تحقيق توافق سريع بين الكتل.
أهمية الحدث وتأثيره على المشهدين المحلي والإقليمي
يحمل هذا الانتخاب أهمية بالغة تتجاوز مجرد ملء فراغ رئاسي؛ فهو يمثل خطوة حاسمة لإنهاء حالة “الانسداد السياسي” التي خيمت بظلالها على البلاد منذ إجراء الانتخابات التشريعية بدورته السادسة أواخر العام 2025. محلياً، يمهد هذا الحدث الطريق أمام “الإطار التنسيقي”، بوصفه الكتلة النيابية الأكبر، لتقديم مرشحه لمنصب رئيس مجلس الوزراء والمباشرة بتشكيل الحكومة خلال 15 يوماً، كما أكد رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، الذي توعد باتخاذ إجراءات قانونية بحق المشككين بالنصاب. إقليمياً ودولياً، يعزز استقرار المؤسسات الدستورية في العراق من ثقة المجتمع الدولي، ويساهم في تهدئة التوترات في منطقة الشرق الأوسط التي تتأثر بشدة بالاستقرار الداخلي العراقي.
من هو نزار آميدي؟ مسيرة سياسية ومهنية حافلة
وُلد آميدي في 6 فبراير 1968 في محافظة دهوك، وهي منطقة عُرفت بعمقها التاريخي والثقافي في إقليم كردستان. بدأ مساره العلمي بدراسة الهندسة في جامعة الموصل مطلع تسعينيات القرن الماضي، وعمل في بداياته مدرساً لمادة الفيزياء. سرعان ما انتقل للعمل الحزبي ضمن صفوف الاتحاد الوطني الكردستاني، متدرجاً في مواقع تنظيمية متعددة بين عامي 1994 و2003، وصولاً إلى إدارة مكتب الأمين العام للحزب.
مع التحولات السياسية بعد 2003، أصبح آميدي جزءاً من الدائرة الضيقة المحيطة بصناع القرار. عمل مساعداً في مجلس الحكم، ثم سكرتيراً شخصياً للرئيس الراحل جلال طالباني، وأدار مكتبه لسنوات (2008–2014). واصل حضوره في قلب المؤسسة الرئاسية كمدير لمكتب رئيس الجمهورية خلال عهود متتالية: فؤاد معصوم، برهم صالح، وعبد اللطيف رشيد. كما اضطلع بمهمات تمثيل رئاسة الجمهورية في مجلس الوزراء، وشارك في اللجنة الوزارية للأمن الوطني، ولجنة إدراج الأهوار على لائحة التراث العالمي.
وفي حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، تولى آميدي حقيبة وزارة البيئة، حيث ركز على ملفات التغير المناخي، ومثّل العراق في قمة شرم الشيخ للمناخ. استقال في أكتوبر 2024 للتفرغ للعمل الحزبي، وفي يناير 2026، أعلن حزبه ترشيحه رسمياً للرئاسة خلال مباحثات مع الإطار التنسيقي، ليتوج هذا المسار الطويل بوصوله إلى أعلى منصب في الدولة.


