في خطوة قد تمثل تحولاً في المشهد الأمني المتوتر على الحدود الشمالية، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم عن خطة لبدء انسحاب تجريبي لقواته من منطقتين في جنوب لبنان. ويأتي هذا الإعلان في سياق جهود دبلوماسية مكثفة تهدف إلى إنهاء الصراع مع لبنان، حيث تمثل قضية انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان محوراً أساسياً في أي تسوية مستقبلية.
جذور الصراع: عقود من التوتر على الحدود الشمالية
تعود جذور التواجد العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى عقود مضت، وتحديداً إلى اجتياح عام 1982 الذي أدى إلى احتلال أجزاء واسعة من البلاد. وفي عام 1985، انسحبت إسرائيل جزئياً لكنها احتفظت بما أسمته “الحزام الأمني”، وهي منطقة عازلة بعمق عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، بهدف معلن هو حماية مستوطناتها الشمالية من الهجمات. استمر هذا الاحتلال حتى عام 2000 حين تم الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب، والذي لم ينهِ التوترات بشكل كامل، حيث استمرت الخلافات حول مناطق مثل مزارع شبعا. وقد أدى هذا الاحتلال الطويل إلى ظهور “حزب الله” كقوة مقاومة أساسية، وتطور دوره العسكري والسياسي بشكل كبير على الساحة اللبنانية والإقليمية.
تفاصيل الخطة التجريبية ومستقبل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان
خلال مؤتمر صحفي، أوضح نتنياهو أن القوات الإسرائيلية ستبدأ انسحابها من قريتي زوطر الغربية وفرون كخطوة أولى. وأشار إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن إطار اتفاق تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة ولبنان، يهدف إلى اختبار آلية لنزع سلاح “حزب الله” في هذه المناطق. وقال نتنياهو: “لقد توصلنا إلى إطار اتفاق يمكننا من إنهاء الصراع مع لبنان”، مؤكداً أن الهدف هو تطبيق نموذج يمكن تعميمه لاحقاً. وتعهد نتنياهو بتدمير البنية التحتية العسكرية للحزب، مدعياً أن قواته دمرت بالفعل “نحو 90% من مخزون حزب الله الصاروخي”.
وبحسب نتنياهو، ستحتفظ القوات الإسرائيلية بوجودها في منطقة الشقيف، مع ضمان حرية الحركة للتصدي لأي تهديدات محتملة، مشدداً على أن مهمة الجيش الإسرائيلي في لبنان لم تنته بعد. وأضاف أن هذا الاتفاق، في حال نجاحه، سيعزز أمن إسرائيل ولبنان على حد سواء، وسيساهم في إضعاف نفوذ إيران و”حزب الله” في المنطقة.
تداعيات محتملة وتحديات قائمة
يحمل هذا الإعلان في طياته تداعيات إقليمية ودولية هامة. فمن ناحية، قد يفتح الباب أمام تطبيق كامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الذي أنهى حرب عام 2006 ودعا إلى منطقة منزوعة السلاح جنوب نهر الليطاني. ومن ناحية أخرى، يواجه التنفيذ تحديات جمة، أبرزها الموقف المرتقب لـ”حزب الله” من أي محاولة لنزع سلاحه، والتعقيدات السياسية الداخلية في لبنان. وفي خضم هذه التطورات، تستمر المواجهات الميدانية، حيث أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن مقتل شخص وإصابة اثنين آخرين في غارة إسرائيلية استهدفت بلدة النبطية الفوقا، مما يظهر هشاشة الوضع الأمني. ويتزامن هذا الإعلان أيضاً مع تحركات دبلوماسية أخرى، حيث كشف نتنياهو عن توجه وفد إسرائيلي إلى واشنطن قريباً لمناقشة البرنامج النووي الإيراني، مما يربط ملف الحدود اللبنانية بالصراع الأوسع مع إيران في المنطقة.


