تكتسب زيارة نواف سلام إلى دمشق غداً السبت أهمية بالغة في ظل التحولات الجذرية التي تشهدها المنطقة. حيث يتوجه رئيس الحكومة اللبنانية في زيارة رسمية تستغرق عدة ساعات، يرافقه خلالها وفد وزاري واقتصادي رفيع المستوى. وتأتي هذه الخطوة للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع، بهدف وضع النقاط على الحروف في مجموعة من الملفات الأمنية والاقتصادية الشائكة التي تربط بين البلدين الجارين.
أبعاد وتوقيت زيارة نواف سلام إلى دمشق في العهد الجديد
تاريخياً، اتسمت العلاقات اللبنانية السورية بالتعقيد والتشابك الشديدين على كافة الأصعدة السياسية، الأمنية، والاجتماعية. وتأتي زيارة نواف سلام إلى دمشق في مرحلة مفصلية غير مسبوقة، وذلك عقب التغييرات السياسية الكبرى وسقوط النظام السوري السابق، وتولي أحمد الشرع مقاليد الحكم في سوريا. هذا التحول الجذري يفرض على كلا البلدين إعادة صياغة علاقاتهما الدبلوماسية والعملية بعيداً عن ترسبات الماضي. إن تأسيس مرحلة جديدة من التعاون يتطلب معالجة فورية للملفات العالقة، وهو ما يجعل هذه القمة محط أنظار المراقبين محلياً وإقليمياً، حيث يُنظر إليها كخطوة أولى نحو استقرار المشرق العربي وإعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي بشكل رسمي ومؤسساتي يحترم سيادة الدولتين.
التحديات الأمنية المشتركة: ضبط الحدود ومكافحة التهريب
تتصدر الأجندة اللبنانية السورية مسألة ضبط الحدود المشتركة التي تمتد لمئات الكيلومترات. وتأتي هذه المباحثات في وقت حساس للغاية، خصوصاً بعد أن كشفت السلطات السورية مؤخراً عن وجود أنفاق عسكرية وخلايا نائمة مرتبطة بـ “حزب الله” داخل الأراضي السورية. هذا الواقع الأمني الخطير يفرض مصلحة متبادلة وملحة لتعزيز التواجد العسكري الرسمي لكلا الجيشين على جانبي الحدود، ومنع عمليات التهريب بكافة أشكالها، وعلى رأسها تهريب السلاح الذي يهدد استقرار البلدين. ويسعى الجانبان بجدية إلى تأمين المعابر الرسمية التي تشكل شرياناً حيوياً لتنقل الأفراد والبضائع، وتشمل معابر العريضة، الدبوسية، تلكلخ، وجوسيه، مع إيلاء اهتمام خاص واستراتيجي لـ “معبر المصنع” الحدودي الرئيسي الذي يمثل البوابة الاقتصادية الأهم بين بيروت ودمشق.
انفراجة مرتقبة في ملف الطاقة والكهرباء
بالتوازي مع الهواجس الأمنية، يحمل رئيس الحكومة اللبنانية في جعبته ملفاً اقتصادياً يمس حياة المواطن اللبناني بشكل مباشر، وهو ملف استجرار الطاقة. هذا المشروع الإقليمي الطموح كان قد تعثر لسنوات طويلة بسبب حزمة العقوبات الدولية التي كانت مفروضة إبان حكم النظام السوري السابق. واليوم، مع زوال تلك الموانع السياسية، تبرز رغبة جادة وحقيقية في تتويج هذه المباحثات بتفعيل اتفاق ثلاثي استراتيجي يجمع بين لبنان، سوريا، والمملكة الأردنية الهاشمية. يهدف هذا الاتفاق إلى تأمين احتياجات لبنان الماسة من الطاقة الكهربائية عبر الشبكة السورية، مما سينعكس إيجاباً على الاقتصاد اللبناني المنهك ويؤسس لتكامل اقتصادي إقليمي جديد.
معالجة ملف السجناء وإعادة هيكلة الاتفاقيات الثنائية
لا تقتصر المباحثات على الأمن والاقتصاد، بل تمتد لتشمل قضايا إنسانية وقانونية ملحة. يشمل جدول الأعمال متابعة دقيقة لملف السجناء السوريين في السجون اللبنانية. وتستند هذه العملية رسمياً إلى اتفاقية التعاون القضائي الرامية إلى تخفيف الاكتظاظ الخانق في السجون اللبنانية. وقد بدأت أولى ثمار هذا التعاون تتجلى بعدما جرى تسليم الدفعة الأولى في 17 مارس الماضي، والتي شملت نحو 137 سجيناً من أصحاب الأحكام المبرمة. وفي موازاة ذلك، ستطرح خلال اللقاءات مسألة مراجعة الاتفاقيات الثنائية القديمة الموقعة بين البلدين. ويتجه الطرفان نحو إعادة دراسة عدد كبير من هذه المعاهدات وتحديث بنودها بما يتلاءم مع المرحلة السياسية الجديدة، والتبدلات العميقة التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة، لضمان بناء علاقات مستقبلية متينة وشفافة.


