تنطلق أعمال قمة الناتو الجديدة يومي 7 و8 يوليو الجاري في وقت بالغ الحساسية، حيث تخيم على أجندتها خلافات داخلية عميقة لم تتمكن الدول الأعضاء من تسويتها بالكامل حتى اللحظات الأخيرة. ورغم الجهود الدبلوماسية المكثفة التي بذلها ممثلو الدول في مقر الحلف بالعاصمة البلجيكية بروكسل، إلا أن التباينات حول ملفات التمويل العسكري والدعم الموجه لأوكرانيا لا تزال تفرض ظلالاً من الشك حول قدرة الحلفاء على الخروج بموقف موحد وقوي يلبي التحديات الراهنة.
جذور التأسيس وتحديات البقاء في عالم متغير
تأسس حلف شمال الأطلسي (الناتو) في عام 1949 كدرع دفاعي جماعي لمواجهة التهديدات الأمنية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى مر العقود، واجه الحلف اختبارات عديدة تطلبت إعادة صياغة استراتيجياته الأمنية والعسكرية لتتماشى مع المتغيرات الجيوسياسية. وتأتي القمة الحالية لتكون الأولى من نوعها التي تنعقد في ظل ظروف استثنائية وتوترات دولية متصاعدة، مما يضفي بعداً تاريخياً جديداً على هذا الاجتماع. ويسعى القادة من خلال هذه اللقاءات إلى إعادة تأكيد تماسك الحلف وإثبات قدرته على التكيف مع الأزمات الدولية المتلاحقة، لا سيما في ظل التهديدات الأمنية المعقدة التي تواجه القارة الأوروبية وحلفاءها.
الملف الإيراني والمادة الخامسة على طاولة مفاوضات قمة الناتو
وفقاً لمسودة البيان الختامي التي اطلعت عليها وكالة “رويترز”، من المتوقع أن يتصدر الملف الإيراني مناقشات القادة. وسيشهد الاجتماع تأكيداً حازماً من قادة الحلف، وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على ضرورة منع طهران من امتلاك أي سلاح نووي بشكل قطعي، مع دعوة واضحة لاحترام حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز الاستراتيجي.
إلى جانب ذلك، يسعى القادة إلى تجديد التزامهم الراسخ بالمادة الخامسة من معاهدة الحلف، والتي تنص على أن أي اعتداء على دولة عضو يمثل اعتداءً على الجميع. وتأتي هذه الخطوة كمحاولة لتبديد الشكوك التي أثارتها تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة بشأن مدى التزام واشنطن بحماية أمن القارة الأوروبية، مما يبرز الأهمية البالغة لإعادة بناء الثقة بين ضفتي الأطلسي.
أزمة الإنفاق الدفاعي والتوترات بين برلين وواشنطن
لم تكن مسألة تقاسم الأعباء المالية بعيدة عن طاولة الخلافات؛ فقد انتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجدداً مستويات الإنفاق العسكري للدول الأوروبية، واصفاً مساهمة ألمانيا مقارنة بالولايات المتحدة بأنها “مثيرة للسخرية”. وفي رد حاسم على هذه الانتقادات، أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن بلاده لا تجد سبباً للخجل من سجلها الدفاعي، معلناً أن برلين ستضاعف ميزانيتها الدفاعية خلال السنوات الأربع المقبلة في أضخم جهد عسكري تبذله البلاد لتعزيز قدراتها الذاتية، مشدداً على أن ألمانيا ليست بحاجة للاختباء خلف أحد.
مستقبل الدعم العسكري لأوكرانيا وتأثيراته الدولية
يمثل الدعم العسكري لكييف حجر زاوية آخر في مناقشات الحلف، حيث تتباين مواقف الدول الأعضاء بشأن صياغة الالتزامات المالية المستقبلية. وفي حين سعت إيطاليا لتخفيف التعهدات الخاصة باستمرار المساعدات العسكرية حتى نهاية العام المقبل، أبدى مسؤولون من بولندا حذراً تجاه تقديم المزيد من الدعم المالي المباشر للحكومة الأوكرانية.
ومع ذلك، تشير مسودة البيان الختامي إلى تعهد إجمالي يقدر بـ 70 مليار يورو كدعم عسكري لأوكرانيا خلال عام 2026، مع الحفاظ على مستويات مشابهة في عام 2027. وتتوزع هذه المبالغ بين التعهد السنوي المعتاد للحلف البالغ 40 مليار يورو، وقرض إضافي من الاتحاد الأوروبي بقيمة 30 مليار يورو سنوياً. إن نجاح الحلف في حسم هذه الملفات لن ينعكس فقط على الصعيد المحلي للدول الأعضاء، بل سيمتد تأثيره إقليمياً ودولياً ليرسم ملامح التوازن الاستراتيجي الجديد في مواجهة القوى الدولية المنافسة.


