في تصريحات ترسم ملامح مرحلة جديدة، أعلن الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، عن إطلاق برنامج طموح لإعادة تنشيط العمل العربي المشترك، مؤكداً أن المنطقة تمر بـ«لحظة فاصلة» تستدعي تحركاً عربياً أكثر فاعلية وتأثيراً لحماية المصالح المشتركة. وخلال أول مؤتمر صحفي له منذ توليه منصبه بمقر الأمانة العامة في القاهرة، شدد فهمي على أن العالم يشهد تحولات متسارعة، ولم يعد مقبولاً أن تكتفي الدول العربية بدور المتفرج، داعياً إلى تبني نهج استباقي يحفظ مقدرات الأمة ويمنع ترك أزماتها وثرواتها للآخرين.
لحظة فارقة تتطلب رؤية جديدة
تأتي دعوة فهمي في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد. فالجامعة العربية، التي تأسست عام 1945 بهدف توثيق الصلات بين الدول الأعضاء وتنسيق خططها السياسية، تواجه اليوم تحديات وجودية لم يسبق لها مثيل. من الحرب المستمرة في غزة التي وصفها فهمي بـ«جريمة إبادة جماعية»، إلى الأزمات الممتدة في السودان وليبيا وسوريا واليمن، مروراً بالتحديات الاقتصادية والأمنية، يبدو المشهد العربي أكثر تشظياً من أي وقت مضى. هذا الواقع يمنح رؤية الأمين العام الجديد أهمية خاصة، حيث يُنظر إليها كمحاولة جادة لإعادة إحياء دور الجامعة كقوة فاعلة ومؤثرة، قادرة على بلورة مواقف موحدة والتحرك بشكل جماعي لمواجهة الأخطار المحدقة.
فلسطين في صدارة الأولويات ودعم للعدالة الدولية
أكد نبيل فهمي أن القضية الفلسطينية ستبقى على رأس أولويات الجامعة العربية، متعهداً بالتمسك بالدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والعمل على إنهاء الاحتلال. ووصف ما تشهده غزة والضفة الغربية بأنه «جريمة إبادة جماعية مستمرة»، مشدداً على أن دور الجامعة لن يقتصر على إصدار بيانات الإدانة، بل سيمتد ليشمل دعماً كاملاً للملاحقات القانونية الدولية بحق المسؤولين عن هذه الانتهاكات. وأضاف قائلاً: «الإبادة لا تسقط بالتقادم، ومن يرتكبها اليوم سيقف غداً أمام العدالة»، مؤكداً دعم الجامعة لجميع المسارات القانونية الرامية إلى محاسبة المسؤولين الإسرائيليين.
خارطة طريق لتفعيل العمل العربي المشترك
كشف فهمي أن خطة عمل الأمانة العامة ستقوم على خمسة محاور رئيسية، تهدف جميعها إلى تطوير آليات العمل العربي المشترك وجعلها أكثر كفاءة. تشمل هذه المحاور: تطوير الدبلوماسية العربية عبر تعزيز منظومات الإنذار المبكر والدبلوماسية الوقائية وإدارة الأزمات، وتعزيز آليات المتابعة والتنفيذ لقرارات الجامعة، وإعادة هيكلة الأمانة العامة، والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وربط العمل السياسي بالتنمية المستدامة. وأشار إلى أن الأمن القومي العربي مسؤولية جماعية، وأن أي تهديد لدولة عربية ينعكس على أمن المنطقة بأكملها، مما يستدعي تعزيز التضامن والتنسيق لمواجهة التحديات المشتركة، بما في ذلك الأمن الاقتصادي والغذائي وأمن الطاقة.
نحو مستقبل عربي يصنعه أبناؤه
في ختام حديثه، وجه الأمين العام دعوة للدول العربية للعمل بروح الشراكة الحقيقية، مؤكداً أن نجاح المؤسسات يُقاس بنتائجها العملية وليس بشعاراتها. وتعهد بانتهاج سياسة إعلامية أكثر انفتاحاً وشفافية لتعزيز حق الرأي العام العربي في الوصول إلى المعلومات. كما أولى اهتماماً خاصاً بالشباب والمرأة، معتبراً إياهما شريكين أساسيين في صناعة المستقبل. واختتم بعبارة بليغة تلخص رؤيته: «إما أن نصنع مستقبلنا بأيدينا.. أو يصنعه غيرنا عنا».


