تصعيد أمني غير مسبوق يهز مالي
تشهد مالي تصعيداً أمنياً خطيراً، حيث استيقظت العاصمة باماكو ومناطق استراتيجية أخرى على وقع سلسلة هجمات منسقة، تزامنت مع انتشار أنباء متضاربة حول اغتيال وزير الدفاع المالي، الجنرال ساديو كامارا. هذا التطور النوعي يعكس تعقيد المشهد الميداني وتداخل أجندات الفاعلين المسلحين، من جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة إلى الحركات الانفصالية، مما يضع الدولة الهشة في قلب عاصفة تهدد بانهيار أمني شامل في منطقة الساحل الأفريقي الملتهبة.
لم تكن هذه الأزمة وليدة اللحظة، فجذورها تمتد إلى عام 2012 عندما أدى تمرد الطوارق في الشمال إلى فراغ أمني استغلته جماعات جهادية للسيطرة على مساحات شاسعة من البلاد. ورغم التدخل العسكري الفرنسي (عملية سيرفال ثم برخان) الذي استمر لسنوات، والتحولات السياسية التي شهدتها البلاد عبر انقلابين عسكريين منذ عام 2020، ظل الوضع الأمني يتدهور. ومع انسحاب القوات الفرنسية وتزايد اعتماد المجلس العسكري الحاكم على دعم مجموعة فاغنر الروسية، دخلت المواجهة مرحلة جديدة أثبتت الهجمات الأخيرة أنها أكثر عنفاً وتعقيداً.
غموض يلف مصير وزير الدفاع المالي
في خضم الفوضى، تضاربت الأنباء بشكل كبير حول مصير وزير الدفاع ساديو كامارا، أحد أبرز وجوه السلطة العسكرية. فقد تحدثت تقارير غير مؤكدة عن مقتله مع أفراد من عائلته إثر هجوم بسيارة مفخخة استهدف منزله. في المقابل، سارعت السلطات الرسمية إلى نفي هذه الرواية جملةً وتفصيلاً، مؤكدة أن الوزير بخير. هذا التضارب لا يكشف فقط عن حالة الارتباك الرسمي في إدارة الأزمة، بل يبرز أيضاً حرب المعلومات التي تشنها الجماعات المسلحة لضرب معنويات الجيش وزعزعة ثقة المواطنين في الدولة وقدرتها على حماية مسؤوليها.
الهجمات لم تقتصر على شخص الوزير، بل اتخذت طابعاً متزامناً وواسع النطاق، مستهدفة محيط قاعدة كاتي العسكرية قرب باماكو، بالإضافة إلى مدن حيوية مثل سيفاري وكيدال وجاو. وتبنت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، التابعة لتنظيم القاعدة، مسؤولية الهجمات، التي تشير بعض المصادر إلى أنها تمت بتنسيق مع “جبهة تحرير أزواد” الانفصالية. هذا التحالف التكتيكي بين الجماعات الجهادية والانفصالية، إن ثبت، يمثل تحولاً خطيراً يوحد خصوم الدولة المالية ويزيد من قدراتهم على اختراق العمق الأمني للبلاد.
تداعيات إقليمية ودولية مقلقة
إن ما يحدث في مالي لا يمكن فصله عن سياقه الإقليمي. فالانهيار الأمني يهدد بامتداد نيرانه إلى دول الجوار مثل بوركينا فاسو والنيجر، اللتين تعانيان بدورهما من تصاعد العنف. وتأتي هذه الهجمات لتختبر فعالية “تحالف دول الساحل” الذي أسسته الدول الثلاث مؤخراً كبديل للترتيبات الأمنية السابقة. على الصعيد الدولي، يثير هذا التصعيد قلق القوى الكبرى، حيث أصدرت السفارة الأمريكية في باماكو تحذيرات لرعاياها، بينما أدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أعمال العنف. ويسلط عجز السلطات عن فرض الاستقرار، رغم الدعم الروسي، الضوء على محدودية الحلول العسكرية وحدها، ويعيد التأكيد على أن غياب المسار السياسي والحلول التنموية الشاملة يوفر بيئة خصبة لتنامي التطرف والتمرد.


