في تصريحات بارزة تعكس عمق الخلافات السياسية حول قرار الحرب والسلم، وجه الرئيس اللبناني جوزيف عون انتقادات لاذعة إلى طهران، مؤكداً أن الشعب اللبناني يرفض أن يكون وقوداً لـ مصالح إيران في لبنان والمنطقة. وجاءت هذه المواقف رداً على رفض أمين عام “حزب الله” نعيم قاسم اتفاق وقف إطلاق النار المقترح بين لبنان وإسرائيل. وأوضح عون في مقابلة خاصة مع شبكة “سي أن أن” الإخبارية، أن نعيم قاسم لا يمثل تطلعات كافة أطياف الشعب اللبناني، مشدداً على أن المواطنين لا يستحقون رؤية منازلهم وبنيتهم التحتية تُدمّر بشكل متكرر كل خمسة إلى عشرة أعوام بسبب أجندات خارجية.
أبعاد الموقف الرئاسي وتأثير مصالح إيران في لبنان
تأتي هذه التصريحات في وقت حساس للغاية، حيث يعاني لبنان من تداعيات تصعيد عسكري غير مسبوق أسفر عن خسائر بشرية واقتصادية هائلة. وأشار الرئيس عون إلى أن الرسالة الموجهة إلى القيادة الإيرانية واضحة تماماً: “مصالحنا الوطنية لا تتطابق مع مصالحكم الخاصة”. ودعا الحرس الثوري الإيراني إلى استيعاب حقيقة أن لبنان دولة مستقلة ذات سيادة وليس ساحة تابعة لهم، متهماً طهران باستغلال الساحة اللبنانية كـ “ورقة تفاوض” لتعزيز موقفها في صراعاتها الإقليمية والدولية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
تاريخياً، عاش لبنان عقوداً من الصراعات بالوكالة، حيث تحولت أراضيه مراراً وتكراراً إلى ميدان لتصفية الحسابات الإقليمية. ويرى مراقبون أن التصريحات الرسمية الحالية تمثل محاولة جادة من مؤسسات الدولة اللبنانية لاستعادة القرار السيادي المستقل، والحد من هيمنة القوى المسلحة غير الشرعية التي تتلقى توجيهاتها وتمويلها المباشر من الخارج، مما يعيق أي تقدم نحو الاستقرار المستدام.
تداعيات إقليمية ودولية ومطالبات بإنقاذ الجنوب
على الصعيد الإقليمي والدولي، يحمل هذا الموقف الرسمي دلالات بالغة الأهمية. فهو يبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، بأن الدولة اللبنانية تسعى جاهدة للوصول إلى اتفاق سلام عادل ودائم يحمي سيادتها. واعتبر عون أن الجانب اللبناني حقق بالفعل اختراقاً كبيراً في المفاوضات الجارية، مما يمهد الطريق لإنهاء النزاع المسلح بشكل نهائي.
وفي السياق ذاته، جاءت مواقف رئيس الوزراء اللبناني نواف السلام لتتقاطع مع رؤية الرئاسة، حيث أكد خلال مؤتمر “إطلاق النداء الإنساني العاجل الثاني” أن الحرب الدائرة في الجنوب ليست حرب الشعب اللبناني. وطالب السلام طهران صراحة بالكف عن استخدام الجنوب اللبناني وأهله كأوراق ضغط لتحسين شروطها التفاوضية، داعياً إياها إلى “رحمة الجنوب” ووقف التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.
إن هذا الحراك الدبلوماسي والسياسي الداخلي يهدف إلى حماية ما تبقى من مقومات الدولة اللبنانية، وتجنيب البلاد مزيداً من الدمار والنزوح، في ظل أزمة اقتصادية هي الأسوأ في تاريخها الحديث. ويبقى التحدي الأكبر في مدى قدرة الدولة على فرض سلطتها وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة لضمان استقرار طويل الأمد.


