في خطوة تعكس ثقل المملكة العربية السعودية ودورها المحوري في استقرار المنطقة، استضافت مدينة جدة القمة الخليجية التشاورية، التي تُعرف إعلامياً بـ قمة جدة. وشكلت القمة، بمشاركة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، منصة استراتيجية لتعزيز وحدة الصف الخليجي وتنسيق الجهود المشتركة لمواجهة الأزمات الأمنية والاقتصادية الراهنة، مؤكدة على نهج المملكة الثابت في ترسيخ العمل الخليجي المشترك وضمان أن أي معالجات للأزمات تأخذ في الاعتبار مصالح دول المجلس وتعزز أمنها واستقرارها.
جذور التعاون الخليجي في مواجهة المتغيرات
يأتي انعقاد هذه القمة استمراراً لمسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي تأسس عام 1981 بهدف تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين. وعلى مر العقود، واجهت المنظومة الخليجية تحديات جسيمة، بدءاً من الحرب العراقية الإيرانية، مروراً بغزو الكويت، وصولاً إلى التهديدات الإرهابية والتدخلات الخارجية في شؤون المنطقة. وقد أثبتت هذه القمم التشاورية فعاليتها كآلية دبلوماسية رفيعة المستوى لبلورة مواقف موحدة، وتنسيق السياسات الدفاعية والاقتصادية، وتوجيه رسائل واضحة للعالم حول تماسك البيت الخليجي وقدرته على حماية مصالحه الحيوية.
قمة جدة: استراتيجية موحدة لأمن المنطقة والعالم
أكدت دول مجلس التعاون، وفي مقدمتها المملكة، رفضها القاطع لاستخدام أراضيها منطلقاً لأي أعمال عدائية ضد أي دولة، مع التشديد على أن أمن دول الخليج كلٌ لا يتجزأ. وجاءت مخرجات القمة لتجدد إدانة الاعتداءات الإيرانية التي طالت أراضي المملكة ودول المجلس، واستهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، معتبرةً إياها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً للأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، رحبت المملكة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 الذي أدان تلك الهجمات، مما يعكس إجماعاً دولياً غير مسبوق على ضرورة ردع هذه الممارسات العدائية.
امتدت تداعيات الأزمة لتطال الاقتصاد العالمي، خصوصاً مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية. وقد برز الدور السعودي المحوري في ضمان استقرار الأسواق عبر الحفاظ على قدراتها الإنتاجية واستخدام بنيتها التحتية المتطورة، مثل خط أنابيب شرق-غرب، لتجاوز نقاط التوتر وتأمين تدفق النفط. وأظهرت دول المجلس كفاءة دفاعية عالية، حيث نجحت في اعتراض أكثر من 85% من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفتها، مما يعكس قوة منظوماتها الدفاعية وجاهزيتها لصد التهديدات.
دبلوماسية فاعلة ورؤية للمستقبل
لم تغفل القمة أهمية المسار الدبلوماسي، حيث رحبت دول المجلس بجهود الوساطة التي تقودها باكستان لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، مؤكدة دعمها لأي مسار يفضي إلى اتفاق دائم يعزز الأمن والاستقرار. كما جددت المملكة تضامنها الكامل مع دول المجلس، مؤكدة استعدادها لتسخير كافة إمكاناتها لدعم الأشقاء انطلاقاً من وحدة المصير وترابط التحديات. وفي رسالة حازمة، أدانت المملكة الهجمات التي تنفذها المليشيات الموالية لإيران من الأراضي العراقية، مطالبة الحكومة العراقية بتحمل مسؤولياتها في حماية سيادة دول الخليج ومنع أي تهديدات عابرة للحدود. وبذلك، تعيد قمة جدة التأكيد على أن السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد، تمضي بثبات نحو بناء منظومة خليجية أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة الأزمات، عبر تكامل استراتيجي يحمي المصالح المشتركة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.


