تتصدر قضية أنفاق أصفهان المشهد الأمني والسياسي العالمي في الوقت الراهن، حيث أفصحت تقييمات استخباراتية أمريكية استقتها وكالة «رويترز» من مصادر مطلعة، أن التصعيد العسكري والضربات المتكررة على إيران أخفقت حتى الآن في إزالة مخاوف الولايات المتحدة بشأن قدرة طهران على استئناف وتطوير برنامجها النووي. وتثير هذه التطورات تساؤلات جوهرية حول المدى الذي وصلت إليه طهران في إخفاء موادها الحساسة بعيداً عن أعين الرقابة الدولية.
الجذور التاريخية وتطور الطموحات النووية الإيرانية
لفهم التعقيدات الحالية، يجب النظر إلى السياق التاريخي للبرنامج النووي الإيراني، والذي بدأ فعلياً في خمسينيات القرن الماضي ضمن برنامج الذرة من أجل السلام بدعم أمريكي. ولكن مع قيام الثورة الإسلامية عام 1979، تغير مسار البرنامج تماماً. وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تكشفت معلومات استخباراتية عن وجود منشآت سرية لتخصيب اليورانيوم في نطنز وفوردو، مما أدخل إيران في أزمة طويلة مع المجتمع الدولي أدت إلى فرض عقوبات اقتصادية قاسية، انتهت مؤقتاً بتوقيع الاتفاق النووي عام 2015. إلا أن انسحاب واشنطن من الاتفاق لاحقاً أعاد الأزمة إلى المربع الأول، ودفع طهران لتقليص التزاماتها وتوسيع عمليات التخصيب.
لغز أنفاق أصفهان: أين يختفي اليورانيوم المخصب؟
بحسب التقييمات الاستخباراتية الحديثة، فإن الوقت الذي ستحتاجه إيران لبناء سلاح نووي لم يتغير منذ الصيف الماضي، ويُقدر بنحو عام واحد إذا اتخذت القيادة الإيرانية قراراً سياسياً بالمضي قدماً في هذا المسار السري. ورغم القصف المتكرر الذي طال محيط المنشآت النووية، إلا أن التقييمات تؤكد أن البرنامج لم يتضرر بشكل جذري.
وهنا يبرز لغز أنفاق أصفهان كأحد أكبر التحديات التي تواجه الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فقد أشارت التقارير إلى وجود نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة قريبة جداً من المستوى المطلوب لصنع سلاح نووي. وتعتقد الوكالة أن نصف هذه الكمية تقريباً قد تم تخزينها في مجمع أنفاق تحت الأرض بمركز أصفهان للأبحاث النووية. ومع تعليق طهران لعمليات التفتيش المفاجئة وتقليص وصول المفتشين الأمميين بسبب التوترات العسكرية، أصبح من شبه المستحيل التحقق من مكان وحالة هذه المواد الحساسة.
تداعيات إخفاء القدرات النووية على الأمن الإقليمي والدولي
إن استمرار الغموض حول المنشآت الإيرانية يحمل تداعيات عميقة الأثر. على المستوى الإقليمي، يثير هذا الغموض مخاوف جيران إيران، مما قد يشعل سباق تسلح نووي في منطقة الشرق الأوسط، حيث تسعى دول أخرى لامتلاك تقنيات نووية لضمان توازن الردع. كما أن هذا الوضع يزيد من احتمالية اندلاع مواجهات عسكرية مباشرة، خاصة مع إسرائيل التي تعتبر حصول إيران على القنبلة النووية تهديداً استراتيجياً، وهو ما يفسر حرب الظل المستمرة التي شملت اغتيال عدد من أبرز العلماء النوويين الإيرانيين في محاولة لتعطيل التقدم التقني لطهران.
دولياً، يضع هذا التحدي معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية تحت اختبار حقيقي، ويفرض ضغوطاً هائلة على الولايات المتحدة والدول الأوروبية لإيجاد توازن بين الحلول الدبلوماسية المتعثرة والخيارات العسكرية المعقدة.
سياسة الضغط الأقصى والتحولات الاستراتيجية لطهران
في ظل هذه التوترات، تبذل واشنطن جهوداً ضخمة لضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي. وقد اعتمدت الإدارات الأمريكية سياسة الضغط الأقصى، والتي شملت تشديد الحصار البحري والاقتصادي لدفع طهران نحو تقديم تنازلات. وفي المقابل، يبدو أن إيران قد أعادت ترتيب أولوياتها التكتيكية؛ فبدلاً من الاندفاع السريع نحو القنبلة، تركز حالياً على تعزيز قدراتها العسكرية التقليدية، وتحديداً برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إلى جانب تأمين نفوذها في الممرات المائية الاستراتيجية.
ومع ذلك، حذر تقرير صادر عن مؤسسة كارنيغي من أن إيران قد تكون بصدد إعادة بناء قدراتها النووية بطرق أكثر دهاءً، عبر تطوير منشآت أصغر حجماً وأكثر سرية تحت الأرض، مستغلة تراجع قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المراقبة، مما يجعل أي محاولة لاستهداف هذه المنشآت مستقبلاً أمراً بالغ الصعوبة ويحتاج إلى تدمير ما تبقى من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.


